أقر التشريع الإسلامي مسؤولية الدولة عن منع الاحتكار والاستغلال والظلم والتعامل بالربا والإتجار بالمواد المحرّمة، وقد أكدت النظرية الإسلامية ذلك وجاءت أيضا الآراء الفقهية شارحة لهذه النصوص ومبينة ما يدخل ضمن الحرام وما يعتبر حلالاً؛ وهنا يأتى الدور التطبيقي للنظرية الاقتصادية، فالصور التى ذكرها الفقهاء غير محدودة ويستطيع الفقهاء أن يلحقوا بتلك الصور صوراً جديدة من التعامل الاقتصادي في العصر الحديث مما توافر فيه علة التحريم المنصوص عليها؛ وبذلك تجتمع فى هذا النظام الاقتصادى ميزتا الثبات والمرونة والقواعد الكلية والأصول والاتجاهات ثابته ولكن الجزئيات والأساليب التنظيمية مرنة وقابلة للتغيير؛ لذلك يتدخل فيها العقل البشري والاجتهاد العلمي وتُراعى فيها المصلحة العامة·
ولذا أولى الإسلام المال والاقتصاد عناية بالغة، فهما عصب الحياة وعماد القوة المادية، وهذه لا بد منها لتتوافر للمسلمين القوة الكاملة التي دعا القرآن الكريم الى إعدادها دفاعاً عن الحق وتمكيناً له· والمال في الإسلام ليس مقصوراً على الذهب والفضة وما يحلُّ محلهما من الأوراق النقدية ولكن مدلوله يشمل كل ما له منفعة مباحة شرعاً من عقار وثمار وحيوان وآلات ومعادن·
إن ملكية المال التي هي محور النشاط الاقتصادي في كل مجتمع هي في الأصل لله، فالمال مال الله والناس مستخلفون فيه· وحقيقة أن المال مال الله يحول بين الناس والبطر بما في أيديهم من الأموال أو التجاوز بها حدود ما فرض الله سواء في كسبها او الإنفاق منها· اما نسبة المال في بعض آيات القرآن الى الناس فإنها نسبة تبعية وليست حقيقية فهي تدل على ان الناس ملكوا الانتفاع به بكل ما يقتضيه هذا الحق من التصرف والاستهلاك والاستثمار· فالنظرية الاسلامية فى الاقتصاد لا تنفصل عن الجانب الاخلاقى سواء من حيث الوسائل والنظريات او من حيث الأهداف التالية:
1- التزام الصدق والأمانه وحظر الغش، فالمسلم بطبيعته قائم فى تعامله على الوضوح والصدق فهذه القيم تنبع من عقيدته فهو دائما وأبداً صادق فى تعامله كله مع ربه ونفسه وأسرته ومجتمعه، وقد حثت الشريعه الاسلامية على الصدق والأمانة فى المعاملة، وقال تعالى < إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها> وقوله عز وجل < فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه>·
2 - أن الإنسان بوجه عام مستخلف من الله عز وجل فى هذه الأرض لعمارتها واستثمار خيراتها بسلطة الله عليها فأعطاه القدرة على تسخيرها وتسخير سائر الكون لمنافعه بما وهبه من الحواس والعقل وسائر الصفات الجسمية والعقلية التى تجعله أهلاً لذلك على تفاوت بين أفراد البشر وفكرة الخلافة الإنسانية التى قررها القرآن الكريم من أهم الأفكار التى تقوم عليها النظرية الإسلامية فى الاقتصاد، وتمثل المنطق الذى يحدد العلاقة بين الإنسان وما سخره الله له من أموال وملكيات ومثبت بقوله عز وجل <وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فى ما آتاكم>·
3 - كما ان تسخير الأرض والكون للإنسان واستخلاف الله له فى الأرض يقتضيان انتفاع الإنسان بما خلق الله فى الكون واستثماره لما في الأرض من خيرات وثمرات·ولذلك أطلق الله عز وجل على هذه المنافع لفظ طيبات <ورزقناهم من الطيبات>·
4 - كما ان من الأسس الاقتصادية في الإسلام أن السعي فى طلب الرزق والانتفاع بما خلق الله فى الأرض والكون أو بعبارة أخرى النشاط الاقتصادى عملاً وإنتاجاً أو استثماراً أو استهلاكا ليس غاية فى ذاته فى النظرية الإسلامية بل هو وسيلة ضرورية تقتضيها طبيعة الإنسان أو فطرته التي فطره الله عليها·
5- إن استخلاف الله للإنسان فى الأرض لا يختص به فريق دون غيره فالناس كلهم عباد الله؛ وتسخير الأرض وسائر الكون لهم جميعا كذلك دون تخصيص؛ ولكن كل فرد يقوم بأمانة الاستخلاف ويستفيد من تسخير الكون لمنافعه بقدر استطاعته وحسب قدرته ويحسن أداء هذه الأمانة فيقوم بحقوقها ويؤديها أو لا يؤديها ويخون الأمانة·
وبخلاصة ان الشريعة الاسلامية قد حددت معالم المسؤولية الدنيوية من بيان الحقوق والواجبات فى المعاملات وغيرها كما بينت الحدود والعقوبات؛ ولكن المسلم يستشعر دائما مع المسؤولية الدنيوية المسؤولية الآخروية؛ وأنه سيقف أمام الله عز وجل فيحاسبه على الصغيرة والكبيرة، فيستشعر فى ضميره رقابة الله عز وجل·
كما أن ما يقتنيه الإنسان نتيجة لكسبه من مال لا يعطى صاحبه امتيازاً خاصاً كما لا ينقص شيئاً من حقوقه الإنسانية والاجتماعية،
فليس للأغنياء فقط باعتبار أنهم أغنياء أى امتياز أو حق زائد على غيرهم، ولا ينقص الفقر صاحبه حقاً من حقوقه، فالمال مال الله والبشر مستخلفون فيه بقوله تعالى < وآتوهم من مال الله الذي آتاكم> ليتحمل كل إنسان نتيجة عمله ونشاطه وهو المسؤول عنه مسؤولية دنيوية بالنسبه لغيره من الناس ومسؤولية أخروية أمام الله بقوله تعالى <كل نفس بما كسبت رهينة>·
------------------------
* خبير مالي و محلل اقتصادي·
* دكتوراه في المالية الدولية·