إشراك الملك عبد الله الثاني والرئيس حسني مبارك في المفاوضات المباشرة الفلسطينية - الإسرائيلية التي إنطلقت أمس من واشنطن، ليس عملية تجميل سياسي للمحاولة ولا هي فقط لتأمين غطاء عربي وبالتفويض للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وإنما هو رسالة ضمنية إلى الإدارة الأميركية والحكومات الاوروبية مفادها أن العالم العربي صَبُرَ ما يكفي على العناد الإسرائيلي والمسايرة الأميركية - الاوروبية لإسرائيل وأنه في حال لن تثمر المحاولة الجديدة نتائج واقعية وتضع اساساً للحل فإن الطرفين العربييْن اللذين أبرما إتفاقات سلام مع إسرائيل سيجدان ان العناد والمسايرة المشار اليهما هما في واقع الأمر نوع من الإهانة للدولتين· ومن أجل ذلك نرى الرئيس مبارك وعلى رغم مشقة الترحال بالنسبة إلى رجل في الثانية والثمانين من العمر خضع قبل أسابيع لعملية استئصال المرارة، يُكثر من اللقاءات والسفر ويتوجه إلى واشنطن بعد التحادث في باريس مع الرئيس ساركوزي، ليكون والملك عبد الله الثاني سنديْن فاعليْن للرئيس الفلسطيني كي لا يبدو أنه وحيد لا وجود لمن يشد ازره ويقوِّي معنوياته وساعده ويثبِّت إصراره على مطالبه المحقة·
ما كنا نتمناه هو أن يكون الصف الفلسطيني على درجة من التوحد، ذلك أن نجاح المحاولة الجديدة من التفاوض المباشرة يستفيد منها الجميع أما إذا فشلت فإنه لا فائدة يجنيها الطرف الفلسطيني المعارض (أي حركة <حماس>)، وذلك لأن النظرة إليه ستكون أنه إتخذ فقط الموقف السلبي كلاماً ثم عملية استهدفت مستوطَنة وتسببت في قتْل رجلين وامرأتين، في حين أنه لو آزر وإن بنسبة بسيطة المحاولة لكانت هذه المؤازرة ستشكل ورقة ضغط على الطرف الإسرائيلي·
يبقى اللافت في الأمر أن الصوت الإيراني المعترض على المحاولة هو اعلى من الصوت الفلسطيني مما يؤكد أن أهل الحكم الايراني ما زالوا على رؤيتهم أو رهانهم، بأن الورقة الفلسطينية ستبقى إحدى أوراق الضغط في أيدي الحكم إلى ان تحسم الادارة الأميركية وحليفاتها الموقف السلبي من ايران، مع الإشارة إلى ان ابرز الإعتراضات الإيرانية على المرحلة جاء على لسان رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) علي لاريجاني وبعدما كان إنطلاق مُفاعل <بوشهر> سبق انطلاق المرحلة الجديدة من المفاوضات المباشرة الفلسطينية - الإسرائيلية التي قال حولها يوم السبت الماضي (28/8/2010) أول كلام يصدر عن الركن الرابع في مؤسسة الحكم الإيراني بعد المرشد الأعلى خامنئي ورئيس الدولة نجاد وقيادة الحرس الثوري <إن الذين رأوا مصير مشاريع التسوية من كمب ديفيد حتى انابوليس لا ينبغي لهم الدخول في أجواء كهذه والسماح بإنقاذ الكيان الصهيوني···>· ومِن الطبيعي عندما يكون هذا هو موقف ايران من المسعى الاميركي - العربي للتسوية ان تقول <حماس> وبالتناغم مع الموقف الإيراني وعشية المحاولة الجديدة <إن المفاوضات هي غطاء للاحتلال لتصفية القضية وتهويد القدس وشطْب حقوق اللاجئين في العودة والإستمرار في الإستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلتين···> وبهذا الموقف تكون <حماس> تشارك الحكم الايراني الرأي وعلى قاعدة يرضى <اصحاب القضية> ولا يرضى الآخرون، مع الأخذ في الإعتبار أن قصْدنا من تعبير <اصحاب القضية> هو أن الذي يعرِّض صدره ورصيده وسمعته هو الرئيس محمود عباس رئيس السلطة الشرعية في نظر أكثرية الشعب الفلسطيني عدا قطاعات في أوساط جمهور حركة <حماس> وأخواتها من الفصائل، وفي نظر المجتمع الدولي ونظر كل الحكومات العربية المتمسكة بـ <مبادرة السلام> التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز من بيروت عام 2002 وكان ما زال ولياً للعهد وإنتهت إلى انها خارطة الطريق العربية الأكثر وضوحاً·
··· وللحديث بقية·
فؤاد مطر