من الطبيعي استناداً إلى العلاقات الطيبة بين أهل الحكم في كل من ايران وقطر أن يكون هنالك تبادُل للزيارات وتكون هنالك إطلالات غير متوقعة لكبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية ودولة قطر على بعضهما البعض· بل وأحياناً تكون هنالك مبادرات استثنائية كتلك التي ساندت بها دولة قطر الصديق الايراني عندما اشركت رئيس الجمهورية الايرانية محمود أحمدي نجاد كضيف كثير التميز في قمة خليجية إستضافتْها الدوحة·
لكن المفاجئ في هذا السياق ان الرئيس نجاد قام قبل يومين بزيارة إلى الدوحة جاءت بعد الجولة الإفتتاحية للتفاوض الفلسطيني - الإسرائيلي المباشر وقبل الجولة المقرر إستئنافها يوم 14 ايلول الجاري في شرم الشيخ· وجاءت الزيارة بعد تمهيد لها في طهران تولاه رئيس وزراء قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني· كما إنها جاءت بعد جولة أفق في ما هو آت على المنطقة، جرت في لقاء على الساحل السوري بين الرئيس بشَّار الأسد وأمير قطر الذي كان عائداً من زيارة إلى لبنان عاصمة وجنوباً لقي فيها مع زوجته الشيخة موزة حفاوة سياسية إستثنائية· وإلى ذلك إن زيارة الرئيس نجاد إلى الدوحة جاءت في وقت بلغ التأزم الايراني - البحريني أشُده وبنسبة ملحوظة من المداراة والكتمان، بعد كشْف السلطات البحرينية عن <مخطط تخريبي - إنقلابي> يستهدف البلد والحكم وتوجيه التهمة بالأسماء والصور إلى عناصر وجمعيات تلقى الرعاية من جانب إيران·
وجاءت الزيارة أيضاً وأيضاً في وقت إرتفع منسوب الحذر الخليجي من الوتيرة المتواصلة للتهديدات يطلقها مسؤولون متقدمون في الحكم الايراني في حال تعرضت ايران النووية إلى هجوم مع التركيز على أن ايران ستمحو اسرائيل من <الجغرافيا السياسية> في حال إعتُدي على ايران وأنها ستقصف مُفاعِل ديمونا في صحراء النقب إذا جرى قصف مُفاعِل بوشهر· وتعزيزاً من جانب ايران لقدراتها فإنها كشفت عن عشرات الإنجازات الصاروخية براً وجواً وعن غواصات وطائرات من دون طيار وغيرها من الإبتكارات·
وفي الوقت نفسه آستؤنف الحديث في ايران عن <تصدير الثورة> وشهدت شوارع طهران تظاهرة مليونية لمناسبة ذكرى <يوم القدس> اعادت إلى الاذهان التظاهرة المليونية من أجل فلسطين والتي وجَّه بتسييرها الرئيس العراقي السابق صدَّام حسين وكانت إلى جانب تحديات أخرى من جانبه جزءاً من مخطط شرير إستهدف إسقاط نظامه ثم احتلال العراق وإنهاء حياة الرجل شنقاً وتحويل العراق من رقم صعب إلى دولة شبه متناحرة على مدار الساعة·
وجاءت الزيارة النجادية المفاجئة في وقت شارفت على الإنتهاء عملية سحب القسم الأكبر من القوات الأميركية من العراق وفي وقت تتصاعد فيه المخاوف من ان تخرج هذه من الباب وتدخل ايران من الشباك وهذا يعني إنتقال أحوال المنطقة من دائرة الخطر الكبير إلى دائرة الخطر الأكبر·
والأهم من هذا كله هو أن الزيارة جاءت في زمن يشق طريقه نحو الوضع الأفضل خيار إعتماد الحنكة والحكمة والقراءة الموضوعية للظروف وعلى نحو ما ظهر جلياً في القمة النوعية في بيروت بين الملك عبد الله بن عبد العزيز رمز معادلة الحنكة والحكمة والرئيس بشَّار الأسد المقتنع بها والرئيس ميشال سليمان الذي يتمناها والمتبناة وبكل حماسة من جانب امير دولة قطر التي كانت زيارته إلى لبنان عاصمة وجنوباً إمتداداً لمعاني تلك القمة·
ويبقى السؤال: ما الذي جعل الرئيس محمود أحمدي نجاد يقوم بهذه الزيارة التي شكَّل إنتقال امير قطر إلى السعودية لتأدية مناسك العمرة قبل حلول عيد الفطر المبارك واجباً روحياً كما إنه من جهة أخرى يكتسب صفة المهمة السياسية بأمل تحقيق وساطة بعد وضْع الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي أمضى الايام العشرة الاخيرة من الشهر الفضيل في رحاب الحرم المكي الشريف، في دواعي زيارة الرئيس نَجاد إلى الدوحة، وذلك لأن مرجعية الحكمة والحنكة المتمثلة بخادم الحرميْن الشريفيْن توجب على أصحاب المساعي التوفيقية العاملين في سبيل التهدئة وضْع المرجعية في ما قالوه وفي ما قيل لهم وفي ما سيردُّون على القول· والشيخ حمد حتى إشعار آخر هو الأنشط بين هؤلاء الساعين··· إذا لم نقل انه الوحيد في الموضوع الخليجي - الايراني من أجل تقريب المواقف والرؤى درءاً لما هو أعظم·
··· وللكلام بقية·
فؤاد مطر