أهمية الوقت
حجم الخط
د. علي جمعة*
لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان بنعم عدّة وأمره أن يسخّرها في طاعته تعالى, وفي ما ينفعه في حياته الدنيا وفي الآخرة, ومن هذه النعم نعمة الوقت التي امتن الله سبحانه وتعالى بها على عباده في قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم:33] بل أقسم عز وجل بأجزاء من الوقت في مواطن عدة فقال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1-2] وقال: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل:1-2] وقال: {وَالضُّحَى(1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى:1-2] وقال: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر:1-4] فأقسم ربنا عز وجل بهذه الأوقات حتى نعلم قيمتها ونصونها ونحفظها ولا نعمل فيها إلا خيرا.
وربط الله سبحانه وتعالى في شريعته غالب العبادات بالوقت, فالصلوات الخمس لها أوقات معينة لا تصح قبلها ويحرّم تأخيرها إلا لعذر, وكذلك صوم رمضان وحج البيت والزكاة وغير ذلك من العبادات.
وينبّه المصطفى صلى الله عليه وسلم بسنّته القولية والفعلية على استثمار الوقت بما ينفع, ويحذّر من إضاعة الأوقات سدى فيقول: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ» ويشير إلى أنّ الأسئلة الأربعة التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة اثنان منها تختصان بالوقت, فيقول عليه السلام: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه»، وكان استثمار الوقت إحدى نصائحه صلى الله عليه وسلم وضمن مواعظه لأصحابه فقال: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك, وفراغك قبل شغلك, وحياتك قبل موتك».
ولم يعرف التاريخ أمة من الأمم اهتمت شريعتها بالزمن وحثّت على اغتنامه قبل ضياعه مثل الأمة الإسلامية, وذلك لأنّ الزمن هو الحياة, وهو العمل والإنتاج, وهو التطوّر العلمي في تشييد الحضارات وازدهارها. ولذلك يجب أن يحذر مسلمو هذا العصر من إضاعة الوقت وليحرصوا على العمل بجد, خاصة في أخصب أيام عمرهم وهي الشباب وعلى الإنسان أن يحاذر التسويف وتأجيل عمل اليوم إلى الغد, فإن سوف جند من جنود إبليس, وإن الإنسان لا يضمن أن يعيش إلى غد, وإذا عاش فلا يضمن أن يخلو غده من الصوارف والشواغل.
