الأديب السعودي عبد القادر الغامدي لـ«اللواء»: «لكل حضارة في زمنها ما يمكن أن تدعم به الحياة»
ثمة كتّاب يكتبون الحكاية لتكتمل، وثمة كتّاب يكتبونها لتظل ناقصة في وعي القارئ، لأن اكتمالها الحقيقي لا يحدث على الورق، وإنما في الداخل الإنساني. ومن هذا الصنف يأتي الأديب السعودي «عبد القادر سفر حمدان الغامدي»، الذي لا ينظر إلى القصة بوصفها حكاية تُروى، بل باعتبارها مساحة لاختبار الضمير، ومختبراً فلسفياً يعيد مساءلة الإنسان أمام نفسه. ففي نصوصه لا تتحرك الشخصيات وحدها، بل تتحرك معها الرموز، والأسئلة، والذاكرة، والقلق الوجودي، حتى يصبح كل مشهد، مهما بدا بسيطاً، محملاً بطبقات من الدلالات التي تتجاوز ظاهر السرد إلى عمقه الفكري والإنساني. ففي مجموعته القصصية القصيرة جدا» بحثا عن إنسان»، لا يستدعي الغامدي «الجب» باعتباره مكاناً ورد في قصة يوسف عليه السلام فحسب، وإنما يستحضره باعتباره استعارة مفتوحة لكل زمن يُلقى فيه الإنسان في عتمة النسيان، ولكل مجتمع يختار دفن المختلف أو المهمش أو الضعيف، ثم يمضي في حياته وكأن شيئاً لم يكن. إنه يحوّل الرمز الديني إلى سؤال حضاري، ويعيد إنتاجه داخل واقع معاصر تتعدد فيه الآبار، وتتغير وجوه الإخوة، لكن يبقى الضحية هو الإنسان ذاته. وهنا تتجلّى قدرة الكاتب على نقل الرمز من حدوده التاريخية إلى أفق إنساني شامل، بحيث يصبح النص قابلاً لأن يُقرأ في كل زمان ومكان. إن السؤال المركزي الذي يطرحه الغامدي: «أين الإنسان؟» ليس سؤالاً إنشائياً يبحث عن إجابة جاهزة، بل هو سؤال فلسفي مفتوح، يحمل في داخله احتجاجاً أخلاقياً على عالم تتسع فيه المسافات بين البشر رغم تقاربهم، وتزداد فيه وسائل الاتصال بينما تتضاءل إمكانات التعاطف. إنه سؤال لا يوجه إصبع الاتهام إلى فرد بعينه، بل إلى منظومة كاملة من اللامبالاة، وإلى ثقافة باتت ترى الإنسان وسيلة لا غاية، ورقماً لا روحاً، وخصماً ينبغي تجاوزه لا شريكاً في الوجود. ومع الأديب السعودي عبد القادر سفر حمدان الغامدي أجريت هذا الحوار:
{ لماذا اخترت الجب تحديداً؟ هل هو استعارة ليوسف، أم لكل حقيقة تُدفن لأنها تزعج الجماعة؟
- الجب هو رمز تاريخي ورد في السرد القصصي القرآني لسورة يوسف واستدعاؤه في نص هذه المجموعة القصصية له دلالته الموحية لدى المتلقّي للدفن والمحو لمعنى الإنسانية التي عزّت في زمن المنفعة والمصالح التي أصبحت تحكم البشرية جمعاء دون النظر لمعنى الإنسان.
{ المشهد الأكثر رعباً ليس إلقاء الضحية في الجب، بل الرقص بعد ذلك، متى يتحوّل الإنسان إلى الإنسان، أم شهادة على موته؟
- المشهدان يفيضان بالحركة وهما أقرب لفيلم سينمائي قصير فرمي الإنسان لأخيه الإنسان في مجاهل الأرض يعبّر عن الأنانية واللامبالاة بما سيلاقيه وهنا أتذكر من رمى بالشباب العربي في مجاهل الأرض مرة باسم الدين وأخرى باسم الطائفة أو القومية، أما حركة الرقص فتعبير ينمّ عن الاحتفال بالانتصارات الزائفة التي يرى بعضنا أنه حققها على حساب تهميش /رحيل/ فقد آخر نحن أمام سؤال وجودي كبير هل فرحتي لا تكتمل إلّا بإلغاء ونفي الآخر..؟!
{ هل القصة بالنسبة إليك محاولة لإنقاذ الإنسان، أم شهادة على موته؟
- النص هنا يحمل دلالتين متضادتين فيه حياة وغناء ورقص وهو الوجه المشوّه للبشرية على حساب فقد وغياب وموت معنى الإنسان فالموت الأشدّ قسوة هو موت الإنسان داخل ذلك المحتفي بموت أخيه الذي ألقى به ورقص معلنا موت الإنسان.
{ عندما تقول «أين الإنسان» هل تخاطب الآخرين، أم أن السؤال موجه إلى ذاتك أيضاً؟
- فيكم أين الإنسان؟! هو ليس خطابا بقدر ما هي صرخة عميقة صادقة من كل المهمّشين والمغتربين والذين يموتون كل يوم باحثين عن أحلامهم وسط زحام الحياة المليئة بالضجيج.
{ هل تعتقد أن الحضارة تتقدم تقنيا بينما تتراجع أخلاقيا؟
- لكل حضارة في زمنها ما يمكن أن تدعم به الحياة، حياة الإنسان وفيها في الوقت ذاته ما يجعل الإنسان يشعر بالأسى في الضفة الأخرى من نهر الحياة وحضارة هذا الزمن حضارة تقدمت تقنيا بشكل مرعب ولكنها في ذات الوقت استلبت منا كثيرا من معاني البهجة الحقيقية والشعور بالأمان والاستقرار وهذا مجال تتداخل فيه جوانب كثيرة منها السياسي والثقافي والاقتصادي ولا تكفي المساحة للاستطراد فيها.
{ لو وقفت البشرية كلها أمامك، وسألتك السؤال نفسه الذي كتبته في قصتك: «أين الإنسان؟» فهل ستشير إلى أحد، أم ستترك السؤال معلقاً لأن البحث عنه لم ينتهِ بعد؟
- فيكم أين الإنسان؟! هو سؤال يحمل بأعماقه صرخة موجعة هي صرختي كإنسان في وجه كل ظالم وقاسٍ وكل من باع أو أجّـر الإنسان الذي داخله ليصل إلى هدفه الذي جعله يدفن غيره أو ليسترضي غيره أو ليلغي سواه في طابور الحياة الطويل ولسوف يظل هذا السؤال محملا بكل أوجاع المغلوبين على أمرهم ما بقيت الحياة وما وجد الإنسان تحت كل سماء وفوق كل أرض.






