من إعلام العدو: «يطلقون النار ويفاوضون»: مضيق هرمز لن يبقى إستراتيجياً عنق الزجاجة
إيل تسير كوهين
نحن على مشارف مرور شهر تقريباً على توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران؛ في الأيام الأولى التي أعقبت التوقيع، بدا كأن المنافسة الرئيسية في وسائل الإعلام كانت بشأن مَن يستطيع رسم الصورة الأكثر قتامةً. رأى كثيرون أن إيران وضعت الأميركيين في موقف أشبه بـ»كش ملك»؛ إذ صمدت طوال أشهر الحرب، وحافظت على نظامها، وحوّلت سيطرتها على مضيق هرمز إلى ورقة استراتيجية جديدة، وحصلت على وعود بأموال وتخفيف للعقوبات، من دون أن تُجبَر على تفكيك برنامجها النووي، أو التخلي عن منظومة صواريخها، أو حلّ شبكة وكلائها في المنطقة. كان الانتقاد الموجَّه إلى مذكرة التفاهم مبرَّراً جزئياً، لكن المشكلة لم تكن في الانتقاد نفسه، بل في الجزم الذي حوّل، خلال ساعات، اتفاقاً مرحلياً إلى حكم تاريخي نهائي: إيران انتصرت، والولايات المتحدة تراجعت، وانتهت المواجهة، غير أن الشرق الأوسط كثيراً ما يقتضي التريث قبل إعلان الفائزين والخاسرين، وبعد شهر واحد فقط، أصبحت الصورة أكثر تعقيداً.
ما نشهده اليوم ليس سلاماً، وليس وقفاً لإطلاق النار بالمعنى التقليدي، ولا عودة إلى الحرب الشاملة. نحن ندخل نمطاً جديداً من الصراع يمكن وصفه بعبارة «يطلقون النار ويتفاوضون»؛ إذ تجري المفاوضات بالتزامن مع استخدام القوة، بل إن استخدام القوة نفسه أصبح أداةً ضمن عملية التفاوض..
وفي خضم هذا الواقع، يبرز تحوّل لافت وأكثر أهميةً، فالحرب غير المتكافئة، التي خدمت إيران طوال عقود، وكادت تميل دائماً إلى مصلحتها، بدأت تنقلب عليها. لقد اعتمدت إيران، حتى الآن، على هذا النوع من الحروب لفرض تكلفة باهظة على خصومها، في مقابل عمليات منخفضة التكلفة نسبياً؛ فأنشأت شبكة من الوكلاء، واستخدمت الصواريخ والطائرات المسيّرة، وشغّلت زوارق صغيرة، وهددت طرق التجارة، وأجبرت خصومها على الاستثمار في منظومات دفاعية باهظة الثمن لمواجهة تهديدات زهيدة الثمن، موزعة، ويصعب رصدها.
الآن، في مضيق هرمز، بدأت الطريقة نفسها تنقلب على إيران، فمن أجل أن تحافظ على ورقة الضغط التي اكتسبتها، أصبحت مضطرة إلى وجود ميداني مستمر، لكن هذا الوجود نفسه يجعلها أكثر عرضةً للاستهداف. وهذه المفارقة تقف في صلب المرحلة الجديدة من الصراع. وفي الوقت نفسه، يبدو كأن إيران نفسها بدأت تقع ضحيةً لمتلازمة الثقة المفرطة بالنفس والغطرسة الاستراتيجية، وهي المتلازمة التي عانى جرّاءها الغرب، ونحن من ضمنه، أكثر من مرة خلال الأعوام الأخيرة.
علامَ تدور الحرب في الحقيقة؟
إذا كان لا يزال لدى أحد أي شك، فإن الصورة اليوم باتت أوضح كثيراً، فمذكرة التفاهم لم تُفكك البرنامج النووي الإيراني، ولم يكن الهدف منها تحقيق ذلك؛ أمّا القضايا الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها مصير اليورانيوم المخصّب ومستقبل المنشآت النووية وآلية الرقابة، فأُرجئت إلى مفاوضات يُفترض أن تستمر لاحقاً. وبهذا المعنى، ركزت المذكرة في المقام الأول على إعادة فتح مضيق هرمز واستعادة الاستقرار الإقليمي والاقتصادي، وهي أهداف ليست هامشية في أي حال.
فالأمر يتعلق بمصلحة اقتصادية عالمية من الدرجة الأولى، وبمبدأ حرية الملاحة، الذي يُعد أحد الأسس الجوهرية للنظام الدولي، فضلاً عن أمن الطاقة والغذاء لعشرات الدول، والحاجة إلى تمكين الأسواق من استعادة استقرارها، وإتاحة الفرصة للدول لإعادة تكوين مخزوناتها التي استنزفتها شهور الأزمة، وتجنُّب تعرُّض الاقتصاد العالمي لهزةٍ طويلة الأمد. ويضاف إلى ذلك، بطبيعة الحال، الاعتبارات السياسية الداخلية للرئيس ترامب في ظل الاستعداد لانتخابات التجديد النصفي.
لكن هنا تحديداً، يكمن التحول الأكبر. فالحرب مع إيران لم تعُد منذ زمن مجرد حرب تدور حول عدد أجهزة الطرد المركزي، أو كمية اليورانيوم المخصّب، بل تحولت إلى صراع على النفوذ الإقليمي، وعلى قواعد اللعبة في الشرق الأوسط. ومنذ أن جعلت إيران مضيق هرمز أداةً للإكراه الاستراتيجي، لم تعُد القضية شأناً إيرانياً فحسب، بل أصبحت مرتبطة بمكانة الولايات المتحدة، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، والاستقرار الاقتصادي، والتنافس بين القوى الكبرى على صورة النظام العالمي. وبذلك ارتفعت رهانات الولايات المتحدة بصورة كبيرة، وازدادت المخاطر المترتبة على هذا الصراع.
وكان الانطباع لدى كثيرين أن إيران نجحت في استبدال سلاح استراتيجي بآخر. فإذا كانت القنبلة النووية لا تزال خارج متناولها في الوقت الراهن، فباتت تنظر إلى مضيق هرمز كسلاح استراتيجي بديل، تستطيع بواسطته تهديد الاقتصاد العالمي، ورفع أسعار النفط، وممارسة الضغط على دول الخليج والغرب، وفرض ثمن في مقابل إعادة الهدوء. وشكّلت هذه الفكرة منطلقاً لكثير من التقديرات المتشائمة، غير أن مَن تحلّى بقليل من الصبر بات يرى أن الصورة أكثر تعقيداً مما بدت عليه في البداية.
فهناك فارق كبير بين الانتصار وبين تنفُّس الصعداء؛لقد نجا النظام الإيراني من المرحلة الأولى من الحرب، لكن البقاء لا يعني التعافي، وبالتأكيد لا يعني النصر. ويبدو كأن أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها النظام الإيراني تمثّل في أنه بدأ بالتصرف كأن مجرد عدم سقوطه دليل على الانتصار. وهناك فارق جوهري.
تحويل المشكلة الاستراتيجية إلى مشكلة تكتيكية
خلال الأسابيع الأخيرة، بذلت القيادة المركزية الأميركية، بقيادة الأميرال براد كوبر، جهوداً لتغيير معادلة مضيق هرمز. ويبدو، من خلال تطورات الأحداث، كأن الهدف كان تحويل مشكلة اعتُبرت استراتيجية وشبه مستعصية على الحل إلى مشكلة عسكرية وتكتيكية يمكن إدارتها باستخدام قوة محدودة نسبياً.
لا حاجة إلى الافتراض أن كل تفصيل في هذا المسار كان مخططاً له مسبقاً لفهم النتيجة، لقد أتاحت الهدنة فرصة استخباراتية وعملياتية؛ إذ انكشفت قدرات كانت مخفية، وانتشرت تشكيلات عسكرية، وحُددت أهداف جديدة؛ فشعرت إيران بقدر أكبر من الثقة، وبدأت بالدفع بقواتها إلى الأمام وتوطيد وجودها، الأمر الذي أدى، بالتدريج، إلى تكوين بنك أهداف أوسع كثيراً، وفي الوقت نفسه، عادت حركة الملاحة البحرية شيئاً فشيئاً، وتراجعت أسعار النفط عن مستوياتها القياسية، وبدأت الأسواق تستعيد استقرارها. صحيح أن المفاوضات بشأن البرنامج النووي شهدت تباطؤاً، لكن الصراع من أجل فرض واقع جديد في منطقة الخليج كان بدأ بشكل فعلي.
هنا برز عامل الغطرسة، فبدأ الإيرانيون، ولا سيما التيار المتشدد داخل النظام، يتصرفون كأن الحرب انتهت فعلاً، وأن مكانتهم الجديدة أصبحت مضمونة. وخرج مسؤولون كبار من مخابئهم، وازدادت حدّة الخطاب، كذلك عكست الرسائل التي رافقت جنازة الخامنئي شعوراً بالنصر والصمود والتحدي.
لكن العالم تغيّر في الأثناء، واكتشفت إيران أن محاولة فرض سيطرة دائمة على المضيق تُلزمها الإبقاء على أصول عسكرية مكشوفة يمكن استهدافها. وعندما تعرضت سفن لهجمات جديدة، جاء الرد الأميركي سريعاً وواسع النطاق، فعاد الصراع إلى الميدان العسكري بصورة شبه فورية، وشنّت الولايات المتحدة هجمات على أكثر من300 هدف عسكري مهم؛ أمّا الرد الإيراني، فجاء محدوداً وضعيفاً. وهنا تحديداً يتجلى المأزق الجديد.
لن يبقى هرمز عنق الزجاجة نفسه
وفي الوقت نفسه، يجري تحوّل أعمق؛ فدول الخليج استوعبت الدرس، وخلال الأشهر الأخيرة، تسارعت الجهود للبحث عن بدائل من مضيق هرمز، بما في ذلك توسيع خطوط الأنابيب القائمة، وإنشاء بنى تحتية جديدة، ومدّ خطوط سكك حديدية، وتطوير ممرات تجارية برية؛ كذلك اكتسبت مبادرات أوسع، مثل الممرات الإقليمية، ومنها مشروع IMEC [المركز المشترك بين الجامعات للإلكترونيات الدقيقة.
صحيح أن هذه الحلول لن تُنفّذ بين ليلة وضحاها، وأن بعضها يتطلب أعواماً واستثمارات ضخمة، لكن القرار الاستراتيجي اتُّخذ فعلياً على مستوى التفكير السياسي: لا يجب السماح مجدداً لدولة واحدة باحتجاز اقتصاد الخليج والاقتصاد العالمي رهينةً لعنق زجاجة واحد.
وبالنسبة إلى إسرائيل، ربما يشكل هذا أيضاً فرصة؛ فكلما انتقلت طرق التجارة والطاقة والبنية التحتية بصورة أكبر إلى المسارات البرية، كلما ازداد إمكان أن تصبح إسرائيل جزءاً مهماً من شبكة الربط بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا. وربما أثبتت إيران قوة ورقة مضيق هرمز، لكنها في الوقت نفسه، سرّعت العملية التي ستقلل من قيمته الاستراتيجية في المدى الطويل. وهذه نتيجة أُخرى من النتائج غير المتوقعة للحرب: استخدمت إيران المضيق لتُظهر مدى اعتماد العالم عليه، لكنها بذلك أقنعت جزءاً كبيراً من العالم بمدى الضرورة الملحّة للتخلص من هذا الاعتماد.
المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية






