أم السينما فرنسا تسترجع شريطين من: 87 و60 عاماً...
حجم الخط
عرفت بيروت خلال الأيام القليلة الماضية عرضين سينمائيين مهمين، أعادانا الى 87 عاماً، والى 60 عاماً بالزمن الى الوراء، لكنها عودة فيها نكهة الأمس الأصيلة، الصادقة، العميقة والشفافة المرتبطة بأسس الفن السابع، وكياناته في بلد منشأ السينما فرنسا، مع الأخوين لوميير (عام 1895).
مهرجان السينما الأوروبية 25 في بيروت، كان ختامه مسكاً مع شريط جان كوكتو (The blood of a poet) (دم شاعر) عن نص له، قدم على شاشة متروبوليس في 55 دقيقة مع: هنريك ريفيرو، إليزابيت لي ميلر، بولين كارتون، وأوديت تالازاك، وكان آخر عرض عالمي للفيلم قبل تسعة أعوام في أثينا، وقد واكبه عزف حي للعازفين: عبد قبيسي وعلي الحوت، فالعمل صامت تبث فيه الموسيقى حياة جديدة، أيقظت الشريط من رتابة البطء لمادة عمرها 87 عاماً، فهي من إنتاج العام 1932، وبدا واضحاً أن هناك بدائية تقنية، لكن مع تدفق شاعري والحب سقوط الشاعر القتيل من دون أن يهتم لمصرعه أحد، بينما هو في مشهد صريع وسط بركة دماء حول مؤخرة رأسه.
الواقع أنه لم يكن هيناً علينا متابعة الشريط من دون موسيقى، فنحن معتادون على المؤثرات، وأصوات الممثلين والموسيقى التصويرية التي تهدينا الى ما يقصده كاتب السيناريو كما المخرج، وبالتالي خففت الموسيقى رغم صخبها وقوتها وإرتفاع منسوب التداخل بين أنغامها من غلواء الصمت واللاصوت أو أي أثر لصدى حركة على مدى وقت عرض الفيلم، لولا الموسيقى.
المناخ كان معكوساً في الفيلم الآخر (Hiroshima Mon amour) الذي عرضه المركز الثقافي الفرنسي بمناسبة مرور 60 عاماً على عرضه، مدته 90 دقيقة للمخرج آلان ريزنيه الذي توفي قبل خمسة أعوام عن 91 عاماً (تزوج من سابين أزيما، وفلورانس مالرو، والدة أندريه مالرو) وبنى شهرته العالمية على هذا الشريط الذي عرضته أميركا جماهيرياً في 16 أيار/مايو عام 1960، في إنتاج لـ أناتول دومان، وسامي هالفون، بينما الأهمية في السياق أن النص السينمائي وقعته الكاتبة (والمخرجة والممثلة) المعروفة مارغريت دوراس (توفيت في باريس عام 1996 عن 81 عاماً) المولودة في فيتنام، والتي غادرتها بعد إتمام دراستها الثانوية في سايغون.
«هيروشيما حبيبتي» ضربت شهرته الآفاق كلها. فكل ما فيه كان مهماً ولافتاً وناجحاً. فالموسيقى صاغها الفرنسي جورج دولوري (مات عن 67 عاماً في لوس أنجلوس) والإيطالي جيوفاني فيسكو (توفي عام 1968 في روما عن 61 عاماً)، وأدار التصوير الفرنسي ساشا فيرنوي (مات عام 2001 عن 81 عاماً) والياباني ميشيو ناكاهاشي، وفيما إستعان ريزنيه بستة مساعدين له خلال التصوير. فهو أدار الممثلين الخمسة الأساسيين بقوة وتأثير وشاعرية زائدة: إيمانويل ريفا (هي) الياباني إيجي أوكادا (هو) ستيلا داساس (أم) بيار باربو (أب) برنارد فريسون (توفي عام 2002 عن 71 عاماً في فرنسا)، بينما عاشت «ديفا» حتى عمر الـ 89 عاماً وتوفيت قبل عامين فقط، وكانت صورت مع جان لوي ترتيتيان عام 2012 شريط (Amour) بإدارة مايكل هانيكي.
الفيلم يحكي عن حب بين فرنسية وياباني بعد وقت قصير على قصف هيروشيما بالقنبلة الذرية، كذلك يدخل الألمان على الخط من خلال حبيب ألماني يجسد دوره برنارد فريسون، مع إطار مؤثر وخاص يطغى على كامل وقت الشريط.
فرصة ذهبية مزدوجة سنحت لنا سينمائياً لكي نكون مع نوستالجيا فيها كل معاني الفرح، والتقدير لأعمال عالمية خالدة إنغرست في الذاكرة طويلاً، وما زال فعلها الى اليوم مؤثراً، يعطي صورة عن معنى ما قدمه الكبار من خدمة لهذا الفن المدهش الذي ما زال حياً ونابضاً ومبدعاً منذ 124 عاماً وحتى يومنا هذا.






