الشيباني... ورسائل ما بعد الحرب
أحمد خالد يافاوي
الحرب الأخيرة لم تُنهِ الجدل حول سلاح حزب الله، لكنها نقلت النقاش من سؤال وجوده إلى سؤال وظيفته ومستقبله. فالمعركة أعادت طرح قضية جوهرية: كيف ستكون الدولة اللبنانية بعد الحرب، ومن سيمتلك قرار الحرب والسلم؟
من هنا، يصعب اعتبار زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت مجرد محطة بروتوكولية لإحياء العلاقات الثنائية. فقد جاءت في لحظة إقليمية تشهد انتقالاً من إدارة الصراعات إلى إدارة التسويات، حيث باتت الدولة، لا المحاور، عنوان المرحلة المقبلة.
ورغم أن المحادثات تناولت السيادة، وضبط الحدود، والتعاون الأمني والاقتصادي، وملف اللاجئين السوريين، فإن أهمية الزيارة تكمن في رسائلها السياسية وتوقيتها. كما أن لقاء الشيباني بالرئيس نبيه بري حمل دلالات خاصة، باعتبار أن أي مقاربة لمستقبل الجنوب والاستقرار الداخلي لا يمكن أن تتجاوز موقعه السياسي.
وتتقاطع هذه الرسائل مع المناخ العربي والدولي، ولا سيما الأميركي، الذي يدفع نحو تعزيز الدولة اللبنانية بوصفها المرجعية الوحيدة للقرار الأمني والعسكري، من دون أن يعني ذلك وجود رسالة أميركية مباشرة، بل انسجاماً في الاتجاهات السياسية المطروحة.
أما ملف اللاجئين السوريين، فقد أصبح يتجاوز البُعد الإنساني ليغدو ورقة سياسية ترتبط بإعادة الإعمار والاستقرار في سوريا، وبالضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يتحمّلها لبنان، ما يجعله أحد ملفات التفاوض الأساسية في المرحلة المقبلة.
ويبقى سلاح حزب الله القضية الأكثر حساسية. فالحرب الأخيرة لم تحسم الجدل حوله، لكنها فرضت إعادة تقييم المعادلة السابقة، بعدما كشفت حجم الكلفة التي تكبّدها لبنان. ولم يعد السؤال يقتصر على بقاء السلاح أو نزعه، بل أصبح يدور حول دوره، وموقعه داخل الدولة، ومن يملك القرار النهائي في الحرب والسلم.
وفي المقابل، يتقاطع الموقف الإسرائيلي مع الرؤية العربية والدولية عند ضرورة قيام دولة لبنانية تحتكر القرار الأمني والعسكري، وهو ما يفسر جانباً مهماً من دلالات زيارة الشيباني.
المفارقة أن سوريا، التي ارتبط اسمها لعقود بالنفوذ والصراع في لبنان، تعود اليوم لتتحدث بلغة الدولة والسيادة. وسواء كان هذا التحوّل نتيجة مراجعة سياسية أو استجابة للمتغيّرات الإقليمية، فإنه يعكس واقعاً جديداً يفرض نفسه على المنطقة.
ويبقى السؤال أمام لبنان: هل ينجح في الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة، ومن منطق التوازنات المسلحة إلى منطق المؤسسات؟ فقد لا تكون زيارة الشيباني مجرد حدث دبلوماسي، بل إحدى الإشارات الأولى إلى مرحلة جديدة في المشرق العربي، حيث لا تنتهي الحروب بصمت السلاح، بل بتغيّر الأفكار التي صنعتها.






