صفحة جديدة
ما يجري في الإقليم وفي العالم، هو أكثر من إنقلاب شمسي، بل هو أكثر من وارسو ومن ناتو ومن عدم الإنحياز ومن البريكست، ومن الممانعة، ومن محور المقاومة أيضا.
ومثلما صرنا نشهد موجات الحر بدرجة تصل إلى شفير الخمسين في بعض مناطق أوروبا وجريان الأودية فيها التي تستبيح البلدان والسهول، بفعل ذوبان جبال الجليد في سويسرا، بل مثلما صرنا نشهد تساقط الثلوج في البلدان الحارة، وتراكمها في الطرقات، وتغطية المنازل والقرى، صرنا نشهد الحروب الجارفة والتي تمتد لسنوات وسنوات، ونشهد بالمقابل الدول التي كانت تصنع الحروب، لنصف قرن، وربما لقرن من الزمان، تطلّع إلى معادلات السلام، تريد أن تفتح صفحة جديدة، مع الدول المجاورة لها، وتوطد السلام، وتعلن على الملأ، أنها سوف لن تعود إلى ما كانت عليه في الأزمنة السابقة.
هكذا يمكن أن نقرأ وأن نفكر وأن نهجس مسبقا، بالزيارة المؤسسة للعلاقات الجديدة وطي صفحة الماضي: الزيارة التي قام بها وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني، إلى لبنان، بل إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري في الأول من تموز ٢٠٢٦.
يحمل وزير خارجية سوريا، رسالة بلده، بل رسالة رئيس البلاد أحمد الشرع، لا بصورة عبد الحليم خدام ولا بصورة حافظ الأسد وبشار الأسد، ولا بصورة حروب الاستجرار إلى لبنان، بل بطي هذه الصفحة، والبدء بتأسيس صفحة جديدة، على قواعد جديدة، وعلى مبادئ جديدة وعلى اتفاقات جديدة، تنهي نصف قرن من العلاقات الموتورة والمتوترة.
اللبنانيون يحتاجون إلى سورية الجديدة بصفة الرئيس أحمد الشرع، تؤسس لصفحة جديدة من العلاقات السياسية والعامة، تحفظ البلاد، وتراعي خصوصيات المرحلة التي يمرّ بها لبنان، لأن سوريا كانت عبر جميع عهودها، هي العمق العربي الذي يربط لبنان بجميع الدول العربية. ونحن نذهب إلى الإعتقاد، بأن سوريا اليوم، وفي هذه الظروف الحالكة، تريد أن تبعث برسالة إلى اللبنانيين جميعا، بأنها ستكون إلى جانبهم لا عليهم، وهم يقطعون أصعب المعابر والمراحل إلى الدولة المركزية السيادية، في صراعها مع المعرقلين ومع المعتدين، وذلك من خلال التطمينات، بأنها لا تنجرّ إلى الفتنة الداخلية، التي تحاول بعض القوى الإقليمية والعالمية، أن تجرّها إليها.
الصفحة الجديدة التي حملها الرئيس السوري أحمد الشرع، لوزير خارجيته أسعد الشيباني، في زيارته إلى لبنان، لها ترويسات كثيرة مثل:
١- وقف تهريب الأسلحة إلى لبنان، وضرب الأنفاق كلها بين البلدين، والتي تهدّد الدولتين. وكذلك الشبكات التي تعمل عليها، لأنها أخطر ما أصيب بها لبنان وسوريا.
٢- وقف التهريب بكل أشكاله بين البلدين، البضائع والأشخاص، وذلك على أساس من العلاقات المتوازنة، بوضع قواعد عامة ملزمة للطرفين لتأمين المصلحة العامة بين الدولتين السيدتين المستقلتين.
٣- التعاون في الحملة الدائمة على تصنيع المخدرات والكبتاغون وجميع المشتقات منها، في لبنان، كما في سوريا. والقضاء على الشبكات المحلية و الإقليمية والدولية التي تعمل فيها.
٤- إحترام سيادة البلدين والعمل على التأكيد عليها على الحدود وعلى المعابر وتنظيم العبور للآليات، بحيث يرفع عنها الضرر والضرار في جميع مصالحها القانونية.
٥- ملاحقة جميع المخلّين بمصالح البلدين وتسليمهم للعدالة خصوصا في هذه الظروف الإستثنائية التي يمرّ بها لبنان وتمرّ بها سوريا، بإعتبار أن كل خلل يصيب هذا البلد، يصيب بالتالي الآخر، ويحمل له الشرور بشكل من الأشكال.
٦- عدم الأخذ بالإشاعات المسيئة للتعاون بين البلدين، وعدم الإنجرار وراء التوجيهات التحريضية، الإقليمية والعالمية، لأن ذلك يتسبب بالأذى المريع لكلا البلدين.
٧- الدعوة للقاءات بين الرؤساء والوزراء، عند تستدعي الحاجة، وربما بصورة دورية، لِمَ لا! وإرساء لجان تنسيقية متابعة، لإحاطة الدولتين، بالمستجدات على كافة الصعد. وهذا لمما يقوي عرى التعاون بين البلدين، ويمنع عنهما الإنجرار إلى المؤامرات، أو تمريرها.
الصفحة الجديدة لها خطوط عريضة ولها ترويسات كثيرة ولها عناوين عامة كبرى وصغرى، وكذلك عناوين فرعية، لأنها صفحة جديدة بصفحات عديدة، تستدعيها المرحلة المستجدة!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية






