زيارة الشيباني إلى بيروت: إعلان نهاية الوصاية وبداية الشراكة القائمة على الندّية والمؤسساتية بين الدولتين
تكتسب الزيارة الرسمية لوزير الخارجية والمغتربين السوري، الدكتور أسعد الشيباني، إلى بيروت أبعاداً استراتيجية وجيوسياسية تؤسس لمنعطف جذري يعيد صياغة العلاقات اللبنانية - السورية على قاعدتي «الندية والمؤسساتية»، والانتقال من إرث الهيمنة والوصاية إلى التعاون الشامل والاعتراف المتبادل بالسيادة الكاملة.
تُعدّ هذه المحطة الدبلوماسية الثانية للشيباني إلى لبنان بعد زيارة تشرين الأول الماضي، والتي كانت الأولى لمسؤول سوري رفيع عقب سقوط حكم الرئيس بشار الأسد. ويمثل الشيباني (مواليد 1987)، المتخصص في العلوم السياسية، الواجهة الدبلوماسية لحكومة أحمد الشرع التي تشكّلت أواخر عام 2024، حيث تقدم زيارته «أوراق اعتماد» الفلسفة السياسية الجديدة لدمشق في التعاطي مع دول الجوار.
تزامنت الزيارة مع سياق إقليمي بارز؛ إذ جاءت عقب إبرام «الاتفاق الإطاري» بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، والذي حظي بترحيب عربي ودعم لحكم الرئيس جوزاف عون، لتشكّل خطوة إسناد إضافية للسلطة اللبنانية، رغم ما أثارته من حساسية لدى بعض الأطراف، لا سيما «الثنائي الشيعي»، حيال دلالات التوقيت.
• حسم لغط التدخّل العسكري ورسائل التطمين
حسم الشيباني اللغط والتحليلات الإقليمية التي تلت تلميحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكانية قيام سوريا بدور عسكري أو أمني في مواجهة الفصائل المسلحة و«حزب الله» داخل لبنان. ونقل لأركان الدولة تأكيدات حاسمة من الرئيس السوري أحمد الشرع تفيد بأن دمشق لا تملك أي نيّة للتدخّل العسكري، وأن سياستها الجديدة تؤمن بالحوار الشرعي عبر قنوات «من دولة إلى دولة» حصراً.
وقوبل هذا التوجه بترحيب رسمي من رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، الذي استقبل الشيباني في قصر بعبدا، معرباً عن ارتياحه لآليات التعاون الراهنة في ضبط الحدود البرية ومنع التهريب. وتخلل اللقاء تسليم الشيباني دعوة رسمية من الرئيس الشرع للرئيس عون لزيارة دمشق، لإرساء اتصالات مباشرة على أعلى مستوى هرمي.
• شمولية اللقاءات والانفتاح على المعارضة التاريخية
توسّعت لقاءات الوزير السوري لتشمل قوى وشخصيات سياسية وروحية كانت تاريخياً في خط المواجهة الأول مع العهد السوري السابق. فالتقى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق، وليد جنبلاط، الذي صرح بأن «النظام السابق انتهى، وعلينا فتح صفحة جديدة». وفي البيت المركزي لحزب الكتائب، التقى رئيس الحزب النائب سامي الجميل الذي تطلّع إلى مسار يفضي لتبادل اقتصادي واستقلال سياسي، كما التقى في معراب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي شدد على وجوب احترام مبدأ الجوار ومصالح الشعبين.
وعلى الصعيد الروحي، التقى الشيباني البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، مؤكداً على دور المكوّن المسيحي في استقرار البلدين، كما التقى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي أثنى على مساعي الرئيس السوري لدعم سيادة لبنان وبسط سلطة الدولة.
وحملت محطته في مدينة طرابلس أبعاداً رمزية بالغة؛ حيث زار دار الفتوى والتقى بمفتي طرابلس والشمال الشيخ محمد إمام، ومفتي عكار الشيخ زيد بكار زكريا. واعتبر مراقبون إطلالته بمثابة إعلان مصالحة معنوية وتاريخية مع الشارع السنّي اللبناني، وتأكيداً على أن سوريا الجديدة تقف على مسافة واحدة من جميع المكونات.
• المقاربة تجاه «حزب الله» والموقف من إسرائيل
اعتمد الشيباني لغة دبلوماسية اتسمت بالواقعية والبراغماتية السياسية تجاه الملفات الشائكة. وللمرة الأولى، أُدرج لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري (الحليف الأبرز لحزب الله) ضمن أجندة الزيارة لتخفيف التوترات وطمأنة المكوّن الشيعي، بعد أن تم استثناؤه في الزيارة السابقة.
وعقب اللقاء، نفى الشيباني طرح ملف الحزب في المباحثات الثنائية التي انحصرت في تطوير العلاقات، لكنه أكد الانفتاح على لقاء «حزب الله» إذا اقتضت المصلحة المشتركة، بعيداً عن الارتباطات الأيديولوجية. وفي الملف الإقليمي، جدّد إدانة دمشق للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، موضحاً أن «الاتفاق الإطاري» مع إسرائيل شأن سيادي لبناني خالص تدعمه دمشق طالما يصب في مصلحة استقرار بيروت.
• مأسسة الاقتصاد وحلّ أزمة السجناء
في الشق التنفيذي، ركّزت محادثات الشيباني مع رئيس حكومة تصريف الأعمال، نواف سلام، على إرساء آليات التبادل الاقتصادي، والنقل، والربط الكهربائي عبر الحدود؛ وهي الملفات ذاتها التي بحثها سلام مع الرئيس الشرع في دمشق خلال أيار الماضي.
وتُوّجت الزيارة بتوقيع سلام والشيباني اتفاقية إنشاء «لجنة عليا مشتركة» تضم الوزراء المعنيين لعقد اجتماعات دورية وإعداد مذكرات تفاهم تفصيلية. وتمثل هذه اللجنة قطيعة مؤسساتية مع «المجلس الأعلى اللبناني - السوري» الذي أُنشئ عام 1991 إبان حكم الرئيس حافظ الأسد، والذي كان يُنظر إليه كأداة وصاية، ليحلّ محله إطار جديد قائم على الندّية والمصالح المتبادلة.
وعلى الصعيد الإنساني، حظي ملف الموقوفين باهتمام بارز؛ استكمالاً لقيام السلطات اللبنانية بتسليم أكثر من 250 محكوماً سورياً على دفعتين إلى دمشق بموجب اتفاق جرى توقيعه في فبراير الماضي. وأبدى الشيباني انفتاحاً كبيراً لتسوية أوضاع الموقوفين الذين احتجزوا سابقاً في قضايا ترتبط بمناصرة الثورة السورية، بعد انتفاء الأسباب الأمنية لتعزيز المرونة الحقوقية بين البلدين.
• دلالات الزيارة
تجاوزت الجولة أبعادها البروتوكولية لترسم ملامح مرحلة تاريخية جديدة؛ إذ اعتُبر تأكيد الشيباني حصر العلاقة بـ«الدولة اللبنانية» تعزيزاً لموقف المؤسسات الدستورية الشرعية أمام أي قوى موازية. ورأى محللون أن محطة طرابلس قدمت «عدالة معنوية» وتصحيحاً للمسار، بينما أظهرت الاتفاقيات الاقتصادية نجاح القيادة السورية الجديدة في تقديم نفسها كدولة مؤسسات تسعى للاستقرار والربط التنموي بعيداً عن صراعات المحاور.
تثبت المحصلة العامة أن الدبلوماسية السورية استبدلت لغة الاستعلاء الأمني بالشراكة والندّية. وانتقل هذا المسار من طور النوايا إلى التنفيذ الفعلي عبر اتفاقية اللجنة العليا المشتركة، ليبقى نجاحها رهناً بقدرة اللجان على ترجمة التفاهمات إلى آليات عمل ملموسة تحمي مصالح الشعبين وسط الاضطرابات الإقليمية.






