المقالع والكسارات وشركات الترابة في لبنان: فصل جديد من ملف لم يُغلق... وقراءة في آخر المستجدات
نوال أبو حيدر
يثير قرار الحكومة الأخير المتعلق بتنظيم عمل المقالع والكسارات وشركات الترابة سجالا واسعا بين الجهات الرسمية والخبراء البيئيين، وسط تباين في المقاربة القانونية والبيئية لهذا الملف الذي يُعدّ من أكثر الملفات إثارة للجدل في لبنان. ففي حين تؤكد وزارة البيئة أن الإجراءات المتخذة تستند إلى الأطر القانونية النافذة وتندرج ضمن تنظيم القطاع وتعزيز الرقابة عليه، يرى معارضون أن القرارات الأخيرة تتجاهل مخالفات متراكمة منذ سنوات وتثير تساؤلات حول الشفافية والمساءلة وحماية الموارد الطبيعية. وفي هذا الإطار، تنقل «اللواء» وجهتي النظر عبر المدير العام لوزارة البيئة الدكتور بيرج هتجيان، والكاتب والصحافي البيئي حبيب معلوف.
هتجيان: معالجة التلوث تبدأ من ترتيب الأولويات
من هذا المنطلق، يؤكد المدير العام لوزارة البيئة، الدكتور بيرج هتجيان لصحيفة «اللواء» أن «المسائل الصحية المرتبطة بقطاع المقالع والكسارات لا تقع ضمن صلاحيات وزارة البيئة، مشيرا إلى أن هذه الملفات تدخل ضمن اختصاص كل من وزارة الصحة العامة ووزارة الطاقة والمياه».
ويوضح أن «وزارة البيئة لا تمنح تراخيص المقالع والكسارات»، لافتا إلى أن «الجهة المخوّلة بإصدار التراخيص هي وزارة الداخلية والبلديات عبر المحافظ المختص، وذلك وفقا للإطار القانوني الذي ينظمه المرسوم رقم 8803/2002 وتعديلاته. إذ أن المرسوم يتضمن موادا وإشارات تستند إلى معايير ودراسات علمية تحكم آلية الترخيص وتنظيم عمل المقالع والكسارات».
وفي سياق متصل، يشرح هتجيان أن «ثمة قانون موازنة صدر في العام 2019، والمادة 61 منه أرست الآلية القانونية للتعويض عن الأضرار البيئية الناتجة عن المقالع المخالفة»، مشيرا إلى أن «المرسوم رقم 6569 الصادر عام 2020 جاء ليحدد تفاصيل وآليات تطبيق هذه الأحكام. إذ أن هذا الإطار القانوني من شأنه أن ينظم عملية تحديد الأضرار البيئية وتقدير قيمتها، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في القوانين والأنظمة المرعية الإجراء».
وردّا على سؤال حول الضمانات التي تقدمها وزارة البيئة بأن تكون الرقابة على قطاع المقالع والكسارات أكثر فاعلية مما كانت عليه خلال السنوات الماضية، يشدّد المدير العام على أن «كل مقلع حاصل على ترخيص يجب أن يخضع لرقابة جدّية ودورية، فيما يُعدّ أي مقلع لا يملك ترخيصا قانونيا مخالفا للقانون. وفي حال رصد وزارة البيئة اي مقلع غير مرخص، تقوم بتوجيه كتاب إلى وزارة الداخلية والبلديات تطلب فيه وقف جميع أعمال المقالع غير الحاصلة على القرار البيئي أو الترخيص القانوني على الأراضي اللبنانية»، مشيرا إلى أن «تنفيذ قرار الإقفال واتخاذ الإجراءات اللازمة بعد ذلك يقع ضمن مسؤولية وزارة الداخلية والبلديات والأجهزة التابعة لها».
وفي معرض حديثه عن أولويات معالجة التدهور البيئي في لبنان، يرى هتجيان أن «ملف المقالع والكسارات لا يُعدّ، برأيه، الأولوية البيئية الأولى»، معتبرا أن «هناك ملفات أكثر إلحاحا تستوجب المعالجة. إذ أن التشويه الذي طال الطبيعة اللبنانية بدأ مع التمدد العمراني والسكني، مرورا بمشاريع البنى التحتية والطرقات والجسور، مشيرا إلى أن الأخطر يتمثل في الاستخدام المكثف للمبيدات الزراعية ومخصبات التربة وما ينتج عنه من تلوث زراعي، إضافة إلى التعديات على المساحات الخضراء بفعل الرعي الجائر، فضلاً عن حرائق الغابات، قبل الوصول إلى ملف المقالع والكسارات».
ويختم هتجيان بالتأكيد على انه «إذا أردنا فعلا الاهتمام ببيئة لبنان، فعلينا أولا تحديد الأولويات والتركيز على مصادر التلوث والتدمير الأكثر تأثيرا على البيئة».
معلوف: قرارات الحكومة تخالف الأصول وتكرّس أزمة المقالع
في المقابل، يقول الكاتب والصحافي البيئي حبيب معلوف إنه «هناك ضعف في إدارة وزارة البيئة لملف استراتيجي وحساس مثل المقالع والكسارات وشركات الترابة. وقد تسبب ضعف (وربما تواطؤ) الإدارة في وزارة البيئة في إطالة فترة الفراغ والفوضى وعدم اتخاذ قرارات سليمة في ارتفاع أسعار الترابة من 90 الى 400 دولار للطن الواحد. كما ورطت مجلس الوزراء بقرارات غير قانونية ولا استراتيجية وغير مسبوقة في إدارة هذا الملف، لا سيما القرار الصادر بتاريخ 23/4/2026».
ويتابع: «كانت وزيرة البيئة بالتعاون مع مدير عام البيئة قد أعلنت في اجتماعها الأول مع لجنة البيئة النيابية منذ أكثر من عام أنها طلبت إلغاء قرار مجلس الوزراء السابق (الذي لم ينفذه وزير البيئة السابق لعدم اقتناعه به) وأنها تريد الترخيص للشركات بالطريقة التي حصلت مؤخرا».
وفي السياق عينه، يرى معلوف أن «وزيرة البيئة بصفتها رئيسة المجلس الوطني للمقالع تتحمّل المسؤولية الأولى عن إدارة هذا الملف بوصفها المؤتمنة على ديمومة الموارد وحماية البيئة قبل أي شيء آخر».
من جهة أخرى، يشرح أنه «لم يتم احترام القوانين والمرسوم التنظيمي النافذ في الترخيص والاستناد إلى قرار لمجلس الوزراء العام 1997 منتهي الصلاحية للترخيص لشركات الترابة، وتجاوز المرسوم التنظيمي النافذ والنافي لغيره رقم 8803 الصادر بتاريخ 4/10/2002 والمرفق به مخطط توجيهي مع العلم ان مقالع شركات الترابة ليست داخله. وقد تم مخالفة اصول قانونية تقول بعدم جواز تعديل مرسوم تنظيمي بقرار. ولم تطلب الوزارة ولا المجلس تعديل المرسوم، وهذا ما يتطلب تعديل مرسوم ترتيب الاراضي والمخطط التوجيهي بعد القيام بتقييم بيئي استراتيجي لكل القطاع، وهذا لم يحصل للأسف».
ويؤكد معلوف أن «قرار منح التراخيص تجاهل، في الحد الأدنى، إلزام الشركات طالبة الترخيص بتسديد أوامر التحصيل (التي وقّعتها وزيرة البيئة نفسها حسب ما أعلنت) المترتبة عليها، رغم أن دراسة أعدّها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، استنادا إلى مسح للجيش اللبناني بين عامي 2007 و2020، قدّرت كلفة التدهور البيئي وإعادة تأهيل مقالع شركات الترابة الثلاثة العاملة في لبنان بنحو 370 مليون دولار أميركي، من دون احتساب الأضرار الناجمة عن اختفاء الينابيع وتلوث المياه الجوفية». كما خالف قرار الترخيص المادة ٦١ من قانون الموازنة العامة العام ٢٠١٩ التي توجب المستثمر أن يسدد المستحقات المالية على الأضرار التي تسبب بها قبل الحصول على ترخيص جديد. فهل تم دفع مئات الملايين قبل ان تم الترخيص؟ بالطبع لا. وهذه كانت فرصة للخزينة وفرصة إصلاحية تم تفويتها»!
ويعتبر أن «غياب الشفافية رافق إدارة هذا الملف، إذ لم تُعلن وزارة البيئة للرأي العام حجم المخالفات، ولا قيمة أوامر التحصيل، ولا حجم الأضرار البيئية، كما لم تكشف عن المقالع التي لا تزال تعمل من دون تراخيص أو عن الإجراءات المتخذة لإقفالها واستيفاء المستحقات المالية منها».
ويقول إن «وزارة الصناعة تتحمّل بدورها جزءا من المسؤولية، لكون سوق الترابة محميا بقرار يمنع الاستيراد إلا بإجازة مسبقة منذ عام 1993»، مشيرا إلى أن «أسعار الترابة في السوق المحلية كانت تفوق أسعار التصدير بشكل كبير، الأمر الذي يطرح، بحسب رأيه، تساؤلات حول السياسة الضريبية والجدوى الاقتصادية لهذا الخيار، مقارنة بإمكانية الاستيراد بما يحقق مصلحة المستهلك والخزينة العامة ويحافظ على البيئة».
ويؤكد معلوف أن «الشروط البيئية التي أُلحقت بقرار مجلس الوزراء، ومنها الحزام الأخضر وكواسر الرياح والتعويض البيئي، لا تشكّل، برأيه، ضمانة فعلية للحدّ من الأضرار البيئية الناتجة عن اقتلاع الجبال»، معتبرا أن «إعادة التأهيل يجب أن تتم بعد انتهاء الاستثمار، لا أن ترتبط باستمرار أعمال الاستخراج».كما يعتبر أن «التجربة السابقة أظهرت ضعفا في الرقابة البيئية على هذا القطاع»، مشيرا إلى «وجود مخالفات وتجاوزات موثقة في المديرية العامة للبيئة، وإلى أن الشركات كانت تعتمد تاريخيا على آليات رقابة ذاتية لم تمنع اتساع حجم التشويه البيئي والأضرار الصحية في المناطق المحيطة».
ويختم معلوف بالدعوة إلى «إعادة النظر في قرارات الحكومة الأخيرة المتعلقة بقطاع المقالع والكسارات، بصرف النظر عن مسار الطعن أمام مجلس شورى الدولة»، مطالبا «اللجان النيابية المختصة بالتدقيق في الأرقام والمعطيات، وفتح تحقيقات لمحاسبة المسؤولين عن المخالفات البيئية والإدارية».






