الطرق إلى الشعر
الشعر والثراء سواء بسواء. لا بل هو يفوقه شبعا وريا. ترى الشاعر ممتلئا بالشعر، يترنح به، ويترنم أينما حل وأين رحل، كسيد عظيم الثراء. يتسيّد به على الناس وعلى السادة من الناس أيضا، لأنه الأعلى بينهم، كما في نفسه، وكما في شعره. تتغلب نرجسيته عليه من هذا الباب: باب الشعر، الذي لا يأتيه إلّا العظام كما هم في نفوسهم. يرى إذن نفسه محسدا، لما عنده من الشعر. إختاره على غيره من أنواع الثراء، وإرتاح له. وجد به الكفاية والغنى، وأن العالم كله بين يديه. لأن الشعر أغناه عما يكسب.
الطرق إلى الشعر من كل الجهات. وهي في الطول وفي القصر، متساوية فيما بينها. وأما التمايز، ففي اللحظة والإبداع. لأن الشعر بقدر ما هو لحظوي، فإنه بالتالي محتاج إلى الإبداع فيها، حتى لا تكون عابرة، كما غيرها، مما يصادفه في حياته. فليست كل اللحظات صالحة للإبداع، كما جرت العادة.
عليه، يمكن تسخين البرهة بالشعر؟..
نعم بكل تأكيد. لأن الشعر يجلو اللحظة، ويجعل منها جوهرا، بعد إذ كانت لدى غيره من المهملات.
الإنهمام بالشعر دائما، هو من أولى الأولويات. وهو يحتاج إلى الإنصراف الكلي للعناية به، بحيث لا ينشغل الشاعر إلّا به. فإذا ما مسّ الشاعر أي شيء صاغه أو إختزنه خميرة شعر. وإذا ما مسّه الشعر، جعله في غيبة عن كل أشكال الحياة. فالشعر فرد بين أنواع الفنون الأخرى، له قانونه الخاص، والذي لا يحمل عليه أي فن آخر من الفنون.
ليس للشعر طريق محددة، فهو كامن في جميع الطرقات مثل اللقى، وشرطه كما اللقى، المعرفة بها. ترى الشاعر يقطع وقته كله للعثور على مقطوعة من الشعر، فإذا ما وجدها، اختطفها كما النسر، وطار بها إلى الأعالي يدبج لها ما يليق بها، لأنه يعرف، أن ليس كل ما يقوله من الشعر، هو الشعر.
كثيرة هي الطرق إلى الشعر، ولذلك هي لا تقع تحت حصر. فمن أين أتيته، عليك بعينين مبصرتين في كل شيء، حتى في أقل الأشياء، لعلّ تحتها الكنز الثمين من الشعر، لأنه عادة ما يكون مسحورا، وهو لا يحتاج إلّا إلى الشاعر الذي يفكك عنه طلاسم السحر.
الطرق إلى الشعر، ليست دائما سالكة، فكثيرا ما تكون مقطوعة مثل كل الدروب، بحاجات النفس، وعلى الشاعر ألا يكون معتلّ الفؤاد، لأن الإعتلال بأغراض العيش، كثيرا ما يحول دون تدفق الطاقة الشعرية. والمسيرة الشعرية، كثيرا ما تصاب بالتعثّر، هنا أو هناك، لأن الشاعر معتاشا، يتأخّر عن اللحاق بوميض الشعر وبرقه الخلب.
لا يختص الشعر بأغراض معينة، وإنما شأنه الأغراض كلها، كل شيء يعنيه، حتى ذرات التراب، والعشب الجاف، والوريقات اليابسة. يعبّر عن الجمال أينما وجده، فهو أخ الجماليات مهما كانت ضئيلة ونادرة.
الطرق إلى الشعر، تبدأ من القلب آن يخفق لها، ولا يعز عليها طريق، ولا يصعب، لأنها تعلق بالشعر، فتنساق له، ولا تعثر، ولا تتعثر.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية






