وداع القرى
لتسامحني القرى أني نسيت أن أودّعها، حين خرجت منها على عجل. كنت مشغولا بتوضيب الحقيبة، كنت مشغولا بجمع أوراقي الثبوتية ولملمة آخر الأوراق وبعض قصاصات الدفاتر، وبعض الصور، وبعض الدموع. رددت الباب ورائي، ما أحكمت مفتاحه ولا حكمته، ومضيت على وجهي، تاركا بعض درفات الشبابيك تلوّح لي، حزينة كانت، حين رأتني أعفش بعض حوائجي من البيت، كأني أسرقها. كانت تحسّ بأوجاعي، بهجرتي، بتهجيري، فتصرّ صريرها، تنازع النسمات الأخيرة التي ملأت مني رئتي. والعريشة في الدار، تدلّت عناقيدها، زبلت غصونها والأوراق، تريد أن تمسح عن خدي ندى الليل. مضيت لا ألتفت ورائي. كان عشب الطريق يحفف نعلتي يريد أن يتشبث بها، يريد أن يتشبث بي، بكى خلفي، رأيت دموع النجوم على الحفافي التي ودّعتني.
لا أخفي خوفي، ولا أخفي مني وجلي، كان ذلك ينهبني، كما الطريق، كلما كنت أبتعد عن دار، كانت الأخرى تسألني، تنهرني، ما كنت ألتفت ورائي. مضيت على وجهي هاربا مثل هروبي، شعرت أنه الهروب الأخير، شعرت أن كل شيء حولي وأنا أهيم على وجهي، ينادي عليّ: لماذا تفرّ مثل عصفور صغير، بلا زغب، بلا ريش؟
لا تعرف العصافير أين تكون هجرتها، ولا إلى أين تطير، تفزع فقط من قرميدة البيت، حين تداهمها الثعابين، تفزع من دخان السياج، هب فجأة، اشتعلت به النيران، فاجأتني ذات غفلة منها، فرّت على وجهها مثلي.
كانت الدارات تصفر كلها خلفي، والمرجة الخضراء، والنهر والينبوع، والساقية تكركر شهقاتها، ترحل أوراقها، سقطت فوقها، حين اشتدّت عليها العاصفة، كانت الأوراق تتهادى في الساقية، تغيث نملة حملت خشبة بيتها على ظهرها، كان الهروب يشتدّ على القرى مثل ليالي العاصفة.
عواء الوديان وثغاء الحملان وصوت الراعي نادبا حظه: تفرّق عنه القطيع، صخب هائل وعويل صخور، كيف تنهض من أثقالها، وبكاء طيور أفزعت، فما نامت لليلتها، والهضبات التي احتضنت بعضها مثل العائلات القديمة، مثل العائلات الكريمة، بكت، شهقت خلفي، حين كانت تراني ألوّح لها.. أودّعها.
كانت قرى النواحي كلها، على نوحها، على نواحها، قطعة من حزن مرير، مثل طعم أعشابها. وأما الحصى خلفي، فكان يطير إلى ثوبي، يرشقني، يوبخني، يتسقطني كلما ابتعدت عنه، كان يقول لي: ما هكذا يكون الفتى.. ما هكذا يجلى الفتى!
أستاذ في الجامعة اللبنانية






