الحب كآلية دفاع نفسية ضد الانهيار في مقدمة ديوان شهريار للشاعر خريستو نجم
تمثل مقدمة ديوان «من أغاني شهريار» للشاعر خريستو نجم تمهيد نفسي – تأويلي لحالة شعرية مركبة تتجاوز التعبير العاطفي المباشر إلى بناء رؤية نفسية للعالم تقوم على صراع دائم بين قوى التدمير وقوى الترميم داخل الذات الإنسانية. من منظور التحليل النفسي الذي برع به دكتور خريستو نجم ، يمكن قراءة المقدمة بوصفها خطاباً صادراً عن ذات تعيش توتراً بين الرغبة في الحب بوصفه مبدأ حياتياً جامعاً وبين إدراكها العميق لقسوة الواقع التاريخي والاجتماعي الذي يشبه «الأعاصير» في قدرته على اجتياح المعنى واستباحة الجمال. هذه الازدواجية ليست مجرد زخرف بلاغي، بل هي تمظهر لصراع داخلي بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع، حيث يحاول الأنا الحفاظ على تماسكه عبر تحويل الألم إلى خطاب جمالي. إن افتتاح ديوان «من أغاني شهريار» بتصور كوني عنفواني يوحي بأن الذات الشاعرة لا تنطلق من فراغ، بل من جرح أولي يجعل الحب ضرورة دفاعية أكثر منه اختياراً عاطفياً.
أما الحب كآلية دفاع نفسية ضد الانهيار يتخذ الحب فيها منحى وظيفة تتجاوز كونه شعوراً إلى كونه آلية دفاع نفسي ضد التفكك الداخلي. فحين يقول الصوت الشعري إنه «برغم النار والكبريت ما زال يحب»، فإننا أمام بنية مقاومة للانهيار النفسي عبر التمسك بفكرة الحب كتعويض رمزي عن الفقد. في التحليل النفسي، يمكن فهم هذا التمسّك بوصفه شكلاً من «التسامي» حيث تتحوّل الطاقة العدوانية الناتجة عن الألم إلى طاقة إبداعية وعاطفية. إن الحب عنده ليس حالة هادئة بل فعل مقاومة ضد العدم. كما أن تشبيه الأعاصير التي تجرف الحقول يرمز إلى تهديد خارجي للذات، بينما الحب يظهر كقوة داخلية تحافظ على استمرارية المعنى. بهذا المعنى، يصبح الحب ليس نقيض العنف، بل شكله المعكوس الذي يعيد إنتاج الحياة في وجه التدمير.
لكن ازدواجية العشق والغضب وبنية الانقسام النفسي تظهر في مقدمة هذا الديوان كانقسام واضح في تمثيل الحب بين شكلين أولهما حب ناعم وآخر عنيف، وهو ما يمكن قراءته نفسياً بوصفه انقساماً في صورة الموضوع المحبوب داخل الجهاز النفسي. هذا الانقسام يعكس آلية التقسي splitting حيث لا يستطيع الأنا دمج الصفات المتناقضة في صورة واحدة، فيوزعها بين حب مثالي وحب مدمر. لذلك نجد الإشارة إلى شعراء أو أنماط شعرية تهدم مقابل أخرى تستجدي، وهو ما يعكس صراعاً بين حب يتوسّل البقاء وحب ينتقم من فقدانه. إن الغضب عند شاعرنا ليس نقيض الحب، بل امتداده المظلم حين يعجز الأنا عن احتواء الإحباط. ومن هذا المنظور، تصبح القصيدة فضاءً لإعادة تنظيم هذا الانقسام بدل تجاوزه، حيث تتحول القصيدة إلى مسرح داخلي تتصارع فيه صور الموضوعات العاطفية.
أما المرأة والأرض بوصفهما موضوعاً أمومياً مزدوجاً، فإن تشبيه المرأة بالأرض في النص يكشف عن بنية رمزية عميقة تتصل بما يمكن تسميته بالموضوع الأمومي الكلي، حيث يتم إسقاط حاجات الحماية والانتماء على صورتين أولهما الجسد والفضاء. في التحليل النفسي، حيث تمثل الأرض امتداداً رمزياً للأم بوصفها مصدراً للغذاء والاستقرار، بينما تمثل المرأة الامتداد الحميمي لهذا الأصل. إن الجمع بينهما في «وترين في قيثارة الوجود» يشير إلى وحدة أصلية مفقودة يسعى الأنا إلى استعادتها عبر الشعر. غير أن هذا الاتحاد المثالي يخفي قلق الفقد، إذ إن تحويل المرأة والأرض إلى رموز جمالية يعني أيضاً نزع تهديدهما الواقعي وإعادة تشكيلهما داخل بنية تخيلية مسيطرة. وبهذا يظهر الشعر كفضاء لإعادة امتلاك المحبوب بعد تهديد فقدانه في الواقع. ثم العنف الرمزي واستحضار النماذج المأساوية حين يستحضر في المقدمة شخصيات مأساوية أو رموز حب مدمّر، فإنه لا يقوم بالتزيين الثقافي، بل يكشف عن بنية نفسية ترى في الحب قوة قادرة على إنتاج العنف ذاته. إن حضور قصص الغيرة والقتل والخيانة يعكس إدراكاً بأن الحب حين يبلغ أقصى درجات التعلق يمكن أن يتحوّل إلى عدوانية موجهة نحو الموضوع نفسه. في التحليل النفسي، هذا التحوّل مفهوم بوصفه انقلاباً للدافع الليبيدي إلى دافع تدميري حين يفشل التوازن الداخلي. ومن هنا يصبح الحب تجربة حدّية تتراوح بين الإحياء والإفناء. إن دكتور خريستو نجم في مقدمة ديوانه هذا لا يدين هذا العنف بل يدمجه في تعريفه للحب، مما يشير إلى أن الذات الشاعرة لا تفصل بين النقاء والدمار، بل تراهما مظهرين لذات واحدة منفعلة.
في نهاية مقالي هذا يمكنني القول إن مقدمة «ديوان من أغاني شهريار» التي كتبها دكتور خريستو نجم لا تقدم نظرية في الحب بقدر ما تكشف عن بنية وجودية تتأسس على التمزق الدائم بين الرغبة والفقد، بين البناء والهدم، بين التسامي والانهيار. الحب إذا بمفهومه ليس حالة مستقرة بل شكل من أشكال الوعي الجريح الذي يحاول إعادة ترتيب العالم عبر اللغة. إن الذات الشاعرة لا تبحث عن الحب بوصفه اكتمالًا، بل بوصفه طريقة للنجاة من الانقسام الداخلي. ومن ثم فإن الشعر يتحوّل إلى فضاء لإدارة هذا الانقسام بدل حله، وإلى أداة لإبقاء الجرح مفتوحاً لكنه قابل للقول. بهذا المعنى، لا ينتهي في المقدمة إلى يقين، بل إلى تثبيت حالة من التوتر الخلاق الذي يجعل من الألم شرطاً لإنتاج المعنى، ومن الحب شكلًا دائم التحوّل للوجود الإنساني.






