غرامة موت!
في أحد الأحياء المدمّرة جنوب لبنان، جلست أمٌّ على عتبة بيتها الذي لم يعد بيتاً، تقلب بين يديها أوراقاً رسمية لم تدرك كيف تحوّلت إلى عبء جديد فوق فاجعة فقدان ابنها. لم تكن قد حسمت بعد حقيقة ما جرى له منذ انقطاع أخباره خلال القصف، في ظل غياب أي جواب نهائي من المستشفيات، وبقاء الميدان مفتوحاً على الغبار والاحتمالات، ليُصنَّف لاحقاً في عداد الشهداء مفقودي الأثر.
هذه الرواية تفتح الباب واسعاً أمام ما يطالب به الواقع الإداري من عائلات الشهداء، في ما يتعلق بتسجيل حالات الوفاة تحت ما يُوصف بـ«سيف غرامة التأخير»، في مشهد افتراضي تتواصل من خلاله الحكاية.
في الطريق إلى الدائرة المعنية، كان الأب يسير بصمت، لا يتحدث عن الغرامة ولا عن الإجراءات، بل عن اللحظة التي فقدوا فيها الاتصال بابنه. كان السؤال الوحيد الذي يتكرر في ذهنه: كيف يُطلب من عائلة ما زالت تبحث عن أثر ابنها أن تُنهي معاملته وكأنه بات رقماً في سجل إداري؟
في الدائرة، لم يكن المشهد مختلفاً كثيراً عن أي معاملة روتينية أخرى؛ أوراق تُملأ، توقيعات تُطلب، ومهلة زمنية تُذكر بهدوء، بينما خلف الطاولة تقف قصة إنسانية كاملة لا تجد مكانها في النماذج الرسمية.
حاولت العائلة شرح الوضع، مؤكدة أن الابن ما زال مفقوداً، وأن الحرب لم تترك ما يحسم مصيره، إلا أن الإجابة بقيت محصورة بالإجراءات.
في الخارج، كانت الأم تمسك بصورة ابنها، وتقول بصوت خافت إن الغرامة ليست مجرد مبلغ مالي، بل جزء إضافي من الألم، وكأن الفقد لم يعد كافياً. أما الأب، فكان ينظر إلى الشارع المدمّر، متسائلاً عن الفجوة بين ما تراه الدولة وما يعيشه الناس على الأرض.
هذه ليست قصة فردية، بل واحدة من عشرات الحكايات التي وجدت نفسها بين حرب لم تتوقف آثارها، وإجراءات رسمية لا تنتظر اكتمال المأساة. وبين الاثنين، يبقى السؤال معلقاً: كيف يمكن للدولة التعامل مع «مفقودي الأثر»؟ وهل يُبنى القرار على شهادات وفاة في واقع لم تُحسم فيه المصائر بعد، حيث قد يكون المفقود أسيراً أو شهيداً أو مجهول المصير، في ظل معركة لم تترك حتى للحجر أثراً واضحاً، فكيف بالبشر؟ وهنا يبقى التساؤل قائماً حول إمكانية الاستناد إلى تقديرات قد تصيب أو تخطئ في آنٍ معاً.






