الغرب يضيق ذرعاً بالفوضى وخرائط الصراع تتبدَّل هل دخل لبنان مرحلة نهاية غضّ الطرف الدولي؟
حجم الخط
يعود لبنان، في لحظة إقليمية شديدة السيولة، ليجد نفسه مجدداً في قلب تفاعلات تتجاوز حدوده وقدرته على التأثير فيها، فيما التوتّر الأميركي – الإيراني يشكّل الإطار الضاغط الذي يُخشى من خلاله توظيف المساحة اللبنانية، إما كمنصة رسائل سياسية وأمنية، أو كمساحة اختبار لحدود الاشتباك الإقليمي وحدود الصبر الدولي.
يتحدث ديبلوماسي غربي عن نظام إيراني يشعر بأنه مُحاصر ويميل إلى تفعيل أدوات الضغط. ولا يقدّم الديبلوماسي مجرد سلوك ظرفي، بل يرسم ملامح مرحلة إقليمية جديدة، تتّسم بتراجع منسوب الصبر الدولي، وارتفاع كلفة إدارة الأزمات بالوكالة. وفي هذه المعادلة، يبدو لبنان أحد أكثر المساحات هشاشة وقابلية للتأثر، وربما للاستخدام.
يشير الديبلوماسي بوضوح إلى أن طهران، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والعقوبات السياسية والعزلة المتزايدة، «تميل إلى استثمار ما تبقَّى لديها من أوراق قوة. هذه الأوراق ليست ديبلوماسية ولا اقتصادية، بل أمنية–عسكرية، تتمثل في شبكة الأذرع المنتشرة في العراق وسوريا ولبنان، إضافة إلى أدوات التخريب غير المباشر كاستهداف البنى التحتية للطاقة وخطوط الملاحة. هذا السلوك يعكس قناعة إيرانية راسخة مفادها أن كلفة التصعيد، مهما بلغت، تبقى أقل من كلفة الانكفاء أو تقديم التنازلات».
غير أن ما تغيّر، وفق الديبلوماسي إياه، هو مزاج الغرب نفسه. فالدول الغربية، التي اعتادت إدارة الأزمات عبر سياسة غض الطرف أو شراء الوقت، باتت ترى أن استمرار هذا النهج لعقد إضافي لم يعد خياراً قابلاً للتحمّل. فالتقاعس لم يُنتج استقراراً، بل راكم فوضى: انعدام أمن إقليمي، انتشار غير مسبوق للسلاح، وتآكل تدريجي في صدقية الردع الغربي. هذه المقاربة الجديدة تضع مساحات النفوذ الإيراني أمام مرحلة أكثر خطورة.
يقف لبنان، تحديداً، عند تقاطع حساس بين هذه التحولات. فمن جهة، هو الحلقة الأضعف اقتصادياً ومؤسساتياً، مما يجعله مساحة مثالية للضغط غير المباشر. ومن جهة أخرى، هو البلد الأكثر التصاقاً بالمواجهة مع إسرائيل، مما يمنحه وزناً خاصاً في أي حسابات تصعيدية أو تفاوضية. وفي ظل غياب الدولة القادرة، يصبح لبنان عملياً مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو على الأقل لرفع منسوب الرسائل المتبادلة.






