فوارق كبيرة بين «اتفاق الإطار» والاتفاق الأميركي - الإيراني حول لبنان حلّ الإنقسام الداخلي بأهمية وقف الحرب... وممكن بتعديل بعض البنود
غاصب المختار
وصل الوضع السياسي اللبناني الى حالة من الاستعصاء في معالجة الخلافات السياسية من دون أن تتوقف عجلة المؤسسات الدستورية والرسمية عن العمل واستمرت ولو بوتيرة بطيئة نسبياً، بعدما «تمترس» جميع الأطراف في الداخل والخارج كلٌّ وراء مواقفه من اتفاق الإطار بين لبنان والكيان الإسرائيلي ومن سبل المعالجة، ولو ان حالات استعصاء سبق ومرّ بها لبنان أكثر من مرة وعادت الأمور الى الانفراج بعد تحقيق تفاهمات الحد الأدنى وتدوير الزوايا على الطريقة اللبنانية.
ولكن هذه المرة بلغت الخلافات حدّاً عالياً لأنها تتركّز حول موضوع وطني واستراتيجي كبير وخطير وحسّاس ويحمل الكثير من الالتباسات لا حول موضوع داخلي إجرائي. فقضية مثل التفاوض المباشر مع الكيان الإسرائيلي وما توصلت إليه في النتائج الأولية ليست شأناً بسيطا يمكن المرور عليه بسرعة وبلا خلافات وانقسامات، بخاصة ان نتائج المفاوضات منذ ان بدأت جولاتها الأولى في واشنطن برعاية أميركية، لم تصل الى تحقيق أي نتيجة فعلية على الأرض لوقف العدوان الإسرائيلي وانسحاب قوات الاحتلال وتحرير الأسرى وعودة أهالي الجنوب الى قراهم ووضع برنامج لإعادة الاعمار، ولا زالت الأمور تراوح مكانها نتيجة البطء الأميركي والإسرائيلي في تنفيذ مندرجات اتفاق الإطار والملحق الأمني السري به. عدا عن الطرح المرتقب لاحقاً كما نص اتفاق الإطار، على إنهاء حالة العداء وإقامة السلام مع إسرائيل.
والملفت للنظر ان مقارنة أجراها بعض المتابعين للفوارق بين بنود اتفاق أميركا وإيران حول لبنان، أظهرت تراجعا كبيراً في الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي حول ما تضمنه من شروط الانسحاب الإسرائيلي وغياب أي جدول زمني، وتحديد المناطق التجريبية ومعالجة سلاح حزب الله في جنوبي نهر الليطاني، وبدت بنود الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي ملبّية لكل مطالب الاحتلال، لا سيما في ما يتعلق بحرية الحركة العسكرية لقوات الاحتلال وعدم تحديد وقف فوري لإطلاق النار، وترك حرية التقدير لكيان الاحتلال في تحديد ما يسميه الخطر على جنوده والتدخّل لوقفه... وغيرها من بنود مختلفة عمّا ورد في الاتفاق الأميركي – الإيراني الذي كان أكثر تفصيلاً وتحديداً حول لبنان.
وبرغم ذلك، سار لبنان الرسمي عن قناعة تامة بالاتفاق لعلّه يوقف الحرب في نهاية المطاف ويعيد الاعتبار لكيان الدولة في المناطق الجنوبية المحتلة ويعيد أهلها إليها، ولو ان مؤشرات ما يصدر عن كيان الاحتلال لا يُبشّر بخير قريب، بينما يقف لبنان على رصيف الانتظار الأميركي، لكنه يؤكد كل يوم إلتزامه بإتفاق الإطار ولو انه فصله عن اتفاق مسارات سويسرا وباكستان والدوحة التي كان بمقدوره الاستفادة من بعض بنودها.
أما وقد جرى ما جرى، بات المهم حالياً كيفية إعادة ترتيب الوضع الداخلي اللبناني، لا سيما بعدما صدرت توضيحات من الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام حول بعض تفاصيل الاتفاق وتوجهاته، وبعد إبداء الرئيس نبيه برّي استعداده للبحث في تعديل بنود الاتفاق بما يلائم مصلحة لبنان، طالما ان الاتفاق لم يصل بعد الى مرحلة المعاهدة أو الاتفاق الرسمي الذي يستوجب آليات دستورية لإقراره. كما بعد المواقف التي صدرت عن بعض السياسيين مثل الرئيس فؤاد السنيورة، بضرورة تعديل بعض بنود الاتفاق وتوضيح الملتبس منها، وتعديل تشكيلة الوفد اللبناني المفاوض.
بهذا المعنى، لم تصل الأمور بعد الى مرحلة الكسر النهائي وإقفال الأبواب أمام الحلول الممكنة لتعديل الاتفاق وتخفيف حجم المكاسب الإسرائيلية وزيادة المكاسب اللبنانية، وإذا توافرت إمكانية أميركية وإسرائيلية لإعادة البحث بالاتفاق، يكون المشكل اللبناني الداخلي قد وجد طريقه للحل، فمعالجة الانقسام الداخلي لا يقل أهمية عن معالجة تداعيات الحرب. ويمكن الاستفادة من الفرصة المتاحة أمام لبنان في اجتماعات لجان المراقبة والتابعة الثلاثية العسكرية التقنية التي ستنعقد لاحقاً في واشنطن، لتصحيح خلل الميزان «الطابش» لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي بالكامل.






