ما بعد.. بعد اتفاق الإطار
لم يعد النقاش الدائر حول اتفاق الإطار محصوراً بين مؤيد يرى فيه فرصة تاريخية، ومعارض يعتبره تنازلاً سياسياً أو مساساً بالثوابت الوطنية. فهذا السجال، على أهميته، بدأ يحجب السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا بعد الاتفاق إذا دخل مرحلة التنفيذ؟ وكيف ستدير الدولة اللبنانية أخطر مرحلة منذ سنوات، والتي تتطلب تحويل التفاهمات السياسية إلى وقائع ميدانية، تضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة الأهالي، وإطلاق ورشة الإعمار؟
إن الاكتفاء بتبادل الإتهامات والشعارات لم يعد مقبولاً. فلبنان يقف أمام استحقاق مصيري يتطلب رؤية وطنية متكاملة، لا سجالات إعلامية وسياسية عقيمة. ومن حق اللبنانيين أن يعرفوا ما هي الخطة الزمنية لإنجاز الانسحابات الإسرائيلية، وما هي الآلية الدولية التي ستراقب التنفيذ، وما هي الضمانات التي تمنع المماطلة أو الالتفاف على الالتزامات، وما هو الدور الذي ستضطلع به الدولة اللبنانية والجيش اللبناني والقوى الدولية في مواكبة هذه المرحلة الحساسة.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الانسحابات الإسرائيلية لم تتحقق بالرهانات أو الأمنيات، بل عندما توافر ضغط دولي، ورقابة دولية وآليات تنفيذ واضحة. ولذلك، فإن نجاح اتفاق الإطار لن يكون رهناً بحسن النيات، بل بإرادة المجتمع الدولي في فرض احترام الالتزامات، وبتمسك الدولة اللبنانية بحقها في متابعة التنفيذ خطوة بخطوة حتى استكمال الانسحاب من آخر شبر من الأراضي اللبنانية المشمولة بالإتفاق. وفي هذه المرحلة بالذات تتحمل الإدارة الأميركية المسؤولية الأولى لتنفيذ ما يتم التوافق عليه في مفاوضات واشنطن، لأن الرئيس ترامب وكبار معاونيه في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، ما ظهر منهم على المسرح، ومن بقي يعمل وينسج وراء الكواليس، هم الذين يديرون المفاوضات، ويصيغون البيانات ويكتبون الإتفاقات.
وفي موازاة ذلك، لا يجوز أن تبقى مسألة إعادة الإعمار مجرد عنوان سياسي يتكرر في التصريحات. فالجنوب يحتاج إلى خطة وطنية شاملة، تتضمن مصادر التمويل، وآليات الصرف، وأولويات المشاريع، والمخططات التوجيهية الحديثة، التي تحوّل إعادة البناء إلى فرصة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، لا مجرد ترميم لما دمرته الحرب. فالدول والجهات المانحة لن تضخ مليارات الدولارات في ظل غياب الشفافية، أو انعدام الرؤية، أو استمرار الانقسامات الداخلية.






