المرجعية الدينية الإسلامية العليا بين الاستمرارية والمحاسبة والعزل الدولة العثمانية مثالاً (2/2)
القسم الثاني: محاسبة المرجعية الدينية العليا
لا تعترف الشريعة الإسلامية بحصانة تعفي المرجعيات الدينية من الإفلات من العقوبة عن الجرائم التي ارتكبوها بحق الأفراد أو بحق المجتمع. فمبدأ المساواة الذي أقرته الشريعة الإسلامية مطلق حيث لم تفرّق أحكام الشريعة مطلقاً بين الرؤساء والمرؤوسين، ولا بين أصحاب الدولة وعامة الناس ولا بين الممثلين الدبلوماسيين والرعايا العاديين، ولا بين ممثلي الشعب وأفراده ولا بين الأغنياء والفقراء، فالمرجعيات الدينية لا قداسة لها في الإسلام وليس لها أي امتياز يميّزها عن غيرها إن هي أخطأت وخالفت وتمادت في مخالفة الأنظمة والتشريعات. في مواقف خالدة وعديدة سطرتها لنا الأحاديث النبوية ما زال صداها ينقل إلينا أقوال النبي صلى االله عليه وسلم في مسائل تدخل في نطاق مسؤولية الحاكم وصاحب السلطة. أحد هذه الأحاديث ينقل إلينا حادثة غريمٍ تقاضى النبي صلى االله عليه وسلم في دين فأغلظ عليه، فهمّ به عمر بن الخطاب، فقال له الرسول: «مه يا عمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر». وفي موقف آخر للنبي صلى االله عليه وسلم خاطب الناس أثناء مرضه الأخير فقال: «أيها الناس من كنت جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قِبَلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليَّ من أخذ مني حقاً إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس». وفي موقف ثالث حرص الرسولصلى االله عليه وسلم على تطبيق مبدأ عدم التمييز بين كبار المسؤولين ومن يلونهم ولو كانوا أبنائهم بالذات، ففي يوم سرقت امرأة من أشراف قريش، فتحدث الناس أن رسول الله عزم على إيقاع العقوبة عليها، فاعظموا ذلك وكلموا فيها الرسول، فقام خطيباً فقال: (ما إكثاركم على في حد من حدود الله، وقع على أمة من إماء الله؟ والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد نزلت بمثل الذي نزلت به لقطع محمد يدها).
ولقد نهج الخلفاء بعد رسول الله هذا المنهج فكانت كلماتهم حين مبايعتهم بالخلافة، توكيداً لمعنى المساواة، ونفياً لمعنى الامتياز: يقول أول الخلفاء أبو بكر: يا أيها الناس، قد وُليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني. ثم يعلنون في آخر كلماتهم أن من حق الناس الذين اختاروهم أن يعزلوهم من مناصبهم، فيقول أبو بكر: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، ويقول الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب: «لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جَنِفَ قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلتَ وإن تعوج عزلوه، قال: لا، القتل أنكل لمن بعده». وحادثة اقتصاص القبطي من ابن والي مصر عمرو ابن العاص مشهورة في هذا الموضوع، كما أن سيرة الإمام علي كرّم الله وجهه تذخر بأسمى ما عرفته البشرية من محاسبة النفس والمسؤولين ولو كانوا في قمة السلطة والرئاسة.
وأما موقف فقهاء الشريعة الإسلامية فلم ترق إليه مواقف أكثر الشرائع الحديثة تقدّماً. جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي لمؤلفه عبد القادر عودة: أن الفقهاء يسوون الرؤساء بجمهور الناس حين ارتكابهم الجرائم والمخالفات، ولا يميّزونهم عنهم في شيء. وهذا ما اتفق عليه كافة الفقهاء فيما يختص بالولاة والحكام والسلاطين والملوك (وهو يطبق على صاحب كل سلطة ومرجعية ولو كانت أعلى سلطة دينية). فمذهب أئمة المذاهب الفقهية الكبرى مالك والشافعي وأحمد، لا يفرّق بين جريمة ارتكبها هؤلاء المسؤولون عن الجريمة التي يرتكبها الإشخاص العاديون. فيرون أن هذه المرجعية مسؤولةٌ عن كل جريمة ارتكتبها سواء تعلقت بحق الله أو بحق الفرد؛ لأن النصوص عامة والجرائم محرّمة على الكافة بما فيهم السلطان والإمام والرئيس والمرؤوس، فهي جرائم معاقب عليها لمن ارتكبها. بل ولم يكتفِ الفقهاء بتقرير عقوبة الرؤساء والقادة (والمسؤولين الدينيين) وغيرهم على ما يرتكبوه من جرائم، بل بحثوا فيما إذا كانوا ينعزلون بارتكابهم هذه الجرائم، فرأى البعض أن هؤلاء المسؤولين ينعزلون بارتكابهم المحظورات، وإقدامهم على المنكرات، تحكيماً للشهوة وانقياداً اللهوى؛ لأن عملهم هذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة، ويمنع من استدامتها. (الجزء الأول من المرجع المذكور من صفحة 258 إلى صفحة 262).
وأما موقف الدولة العثمانية فكان أكثر تشدّداً بل وتنكيلاً بكل من يخرج عن حدود الشريعة وعن المبادئ الإسلامية الأساسية وخاصة إذا كان ينتمي إلى أعلى رتبة في السلك الديني للعلماء، إلى حد أن العقوبات التي أصابت المخالفين لأوامر الدين والشرع خرجت عن حد المألوف المتعارف عليه في إيقاع العقوبة القصوى المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية لمثل هذا النوع من الجرائم أو المخالفات.
حتى تتبيّن هذه الإجراءات التي كانت تتخذ لإيقاع العقوبة على المرجعيات الدينية العليا، لا بد من معرفة بأن التعيين لهذه المناصب وإنهائه كان يتم عبر السلطان نفسه، ولم تكن هناك مدة معينة في قرار التعيين، فمن مشايخ الإسلام - المفتين العامين للسلطنة – من مارس هذه المهام الى وفاته ومنهم من مارسها خلال عدة سنوات أو حتى عدة أشهر. وكانت العقوبات الأكثر وقوعاً العزل والنفي، وأشدّها القتل والإعدام. فمن بين مائة وواحد وثلاثين من مشايخ الإسلام (موزعون على 175 دفعة باعتبار إعادة تعيين عدد منهم) ثلاثة وأربعون شيخاً انتهت مدة خدمتهم بالوفاة، وثلاثة بالقتل والإعدام، وتسعة عشر بالإعفاء أو الإستعفاء، واثنين بالإسقاط بالقوة، واثنين بالإستقالة، و مائة وستة بالعزل.
ويبدو من أسباب العزل أو الإعفاء الظروف السياسية التي كانت تمرّ بها السلطنة العثمانية وتنازع السلطة بين شيخ الإسلام والصدر الأعظم، أو الصراعات بين شيخ الإسلام والقضاة والعلماء. ومن بينها ما ذكره أحمد صدقي شقيرات في كتابه عن تاريخ مؤسسة شيوخ الإسلام في العهد العثماني (الجزء الأول صفحة 182) بسبب تحوّل بعض مشايخ الإسلام الى رجال احتفالات ومراسم، أداروا ظهورهم للمجالس المفيدة وكشفوا عن فشلهم الذريع في إدارة المؤسسة وما تخلل ذلك من انتشار الرشوة والمحسوبية وسوء إدارة الأوقاف والتعليم الديني.
غير أن أشدّ عقوبة حصلت مع أحد مشايخ الإسلام هزّت أرجاء الدولة العثمانية في القرن السابع عشر عرفت باسم عصيان أدرنة أو بحادثة شيخ الإسلام فيض الله أفندي.
هذه الحادثة الشهيرة ارتبطت باسم فيض الله أفندي الذي كان من كبار علماء الدين ونقيباً للأشراف ومعلماً للسلطانين مصطفى الثاني وأحمد الثالث وعيّن بعدها مدرّساً في دار الحديث في السليمانية ومن ثم قاضي عسكر الروم ايلي فقاضياً لضاحية أيوب الى ان عيّن في 14 شباط 1688 شيخاً للإسلام. استمر فيض الله افندي في هذا المنصب سبعة عشر يوماً ثم عزل بعدها ونفي إلى أرضروم لاتهامه بأنه كان وراء ثورة قتل فيها الصدر الأعظم ساوش باشا، ثم أعيد الى هذا المنصب مرة أخرى في 25 أيار 1695 ووصل به الشأن كما تذكر المصادر إلى أن الصدر الأعظم بنفسه كان لا يفعل أي شيء من امور الدولة إلّا بمشورته.
وأما سبب الثورة التي قامت ضده فلأنه كان شديد التحيز لأقاربه وقد وزع المراكز العليا في المشيخة بين أبنائه وأقربائه وإن لم يكونوا أكفّاء، لذلك فقد سدّ الطريق أمام المشايخ الآخرين للوصول إلى المراكز العليا في طبقة العلماء، فمنح منصب نقيب الأشراف لابنه فتح الله أفندي، ومنحه أعلى رتبة علمية، وكأنه أعلنه ولي العهد لمنصب شيخ الإسلام، ومنح باقي ابنائه وأقاربه مناصب عليا في الجهاز الديني الأمر الذي أدّى إلى استياء العلماء ضده الى أقصى الحدود.
وتذكر المصادر بأن الثورة اندلعت ضده من قبل العلماء وجنود فرق الإعاشة والإنكشارية والعاطلين عن العمل حتى بلغ عددهم خمسين ألف شخص تقدموا إلى مدينة أدرنة حيث عزلوا السلطان مصطفى الثاني ونصبوا شقيقه السلطان أحمد الثالث، وفور دخولهم أدرنة ألقوا القبض على شيخ الإسلام الذي احضر من قبل المتمردين الى ثكنتهم وزجّ في سجن قادة الإنكشارية وعذّب طوال ثلاثة ايام ثم أحضر الى سجن أدرنة، إلى أن صدرت الفتوى بإعدامه من قبل شيخ الإسلام الذي تولى من بعده المشيخة علي افندي بشمقجي زادة. وبما أنه كان ينتمي الى سلك العلماء عيّن شكلياً محافظاً لمدينة كانديه من أجل أن يفقد صفته الدينية، وفي 3 أيلول 1703 احضر من السجن راكباً على «كديش» الى سوق البازار في أدرنه، حيث قلبه المتمردون من الحصان قائلين له «هذه هي حال شيخ الإسلام الذي يخون الدولة والدين» ثم قطعوا رأسه وعلقوه على قضيب حديدي وحملوه في الشوارع وربطوا رجليه بحبل وجرت جثته من ثكنة الإنكشارية الى الطريق العام التي تبعد ساعة ونصف وعرضت جثته للفرجة ثم رميت في نهر التونجة أو نهر ماريتسا الذي يجري في أدرنة، ولهذا السبب فإنه لا يوجد قبر لفيض الله أفندي مثل باقي شيوخ الإسلام الذين تداولوا على المشيخة في تاريخ السلطنة العثمانية. وقد قتل في هذه الحادثة إبنه فتح الله افندي ونجا باقي أبنائه.
تقول المصادر التاريخية بأن هذا الإجراء الصارم بحق رأس السلطة الدينية شيخ الإسلام فيض الله أفندي كان سبباً بعدم تجرؤ شيوخ الإسلام الذين تولوا هذه المناصب من بعده على التقاعس في إدارة الشؤون الدينية وإفسادها وتعيين أبنائهم وأقاربهم في المناصب العليا داخل المؤسسة الدينية الإسلامية.
وأما سبب انهيار المؤسسة الدينية الإسلامية والفساد الذي استشرى فيها وما استتبعه من إلغاء مشيخة الإسلام فيما بعد سنة 1922 فتعود أسبابه كما يشير الحقوقي النمساوي هايدبورن في كتابه القانون العام العثماني المطبوع باللغة الفرنسية سنة 1908 (صفحة 213) إلى أن كبار المسؤولين في المؤسسة الدينية كان همهم الوحيد تسمية أبنائهم في المراكز الدينية الكبرى منذ دخولهم المدارس الدينية وحصولهم على لقب دانشماند «طالب» وهم في سن لم تنبت فيه لحاهم، مما أدّى إلى كثرة الوظائف الدينية التي تسند إلى هؤلاء الصبية دون أي تقدير لمستواهم العلمي المتدني، وتأجيرها بالتالي الى أشخاص آخرون يقومون بأمورها ويتقاضون رواتب ضئيلة من أصحاب الوظائف الأصليين.
يدخل من ضمن أمور الفساد بطبيعة الحال سوء إدارة المؤسسة الدينية وتحوّل القائمين عليها الى رجال احتفالات واستقبالات وتوديعات وعدم تقديم أي إصلاحات حقيقية ولا اتخاذ أي قرارات مصيرية أو الإدلاء بأي مواقف حاسمة حينما تتخبط البلاد في أزمات متلاحقة تهدر بها حقوق الناس وتسود فيها المحسوبيات... وحينما يكتفي المسؤول فيها بالهروب إلى الوراء والتذرع بالسفر إلى خارج البلاد لدواعي الحج، ولا يتبع سيرة سلفه شيخ الإسلام منلا يكان أفندي (1431-1437) الذي سافر إلى الحجاز وترك الإفتاء تلقائياً بعد عودته الى مدينته أزنيق في تركيا إلى أن مات في سنة 1453.






