لبنان بين المحاصصة والفساد: من تعطيل المؤسسات إلى هجرة الكفاءات
د. علي فاعور*
منذ اتفاق الطائف، ومع تراكم الممارسات السياسية والإدارية خلال العقود اللاحقة، ولا سيّما بعد الانهيار المالي عام 2019، كشفت الأزمات المتلاحقة عن اختلالات بنيوية تراكمت داخل مؤسسات الدولة، حتى أصبحت أكثر وضوحاً مع تراجع الأداء المؤسسي، واتساع الفساد، وتصاعد الهجرة، وتآكل الثقة بالدولة.
لم تعد الأزمة اللبنانية تُختزل في الانهيار المالي أو تراجع المؤشرات الاقتصادية، بل أصبحت أزمة دولة ومؤسسات، انعكست على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فعلى مدى عقود، أدّى ترسّخ نظام المحاصصة إلى إضعاف الإدارة الرشيدة، وأتاح تمدّد الفساد والمحسوبية، وأفضى إلى اتساع فجوات عدم المساواة، لتبلغ هذه الأزمة ذروتها باستنزاف رأس المال البشري عبر الهجرة المتزايدة للكفاءات والشباب.
وبذلك، لم تعد هذه الأزمات تمثل ظواهر منفصلة، بل حلقات مترابطة في مسار واحد يبدأ بتعطيل المؤسسات وينتهي بإضعاف قدرة الدولة على الاحتفاظ بأهم مواردها، وهو رأس المال البشري.
1- المحاصصة الطائفية... من التوازن الوطني إلى نظام الحصص
لم تعد المحاصصة الطائفية في لبنان مجرد صيغة لضمان التوازن بين مكونات المجتمع، بل تحوّلت تدريجياً إلى الإطار الذي تُدار من خلاله شؤون الدولة وآليات اتخاذ القرار. ومع امتدادها من توزيع السلطات إلى التعيينات الإدارية وإدارة المرافق العامة، أصبح تأثيرها يتجاوز البُعد السياسي ليطال كفاءة الإدارة العامة وقدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ والاستجابة للأزمات. ومن هنا، لا يمكن فهم الانهيار اللبناني بوصفه نتيجة للأزمة الاقتصادية وحدها، بل باعتباره حصيلة مسار طويل من تراجع ادارة الدولة وإضعاف المؤسسات.






