هل أخطأ لبنان بربط الإنسحاب بالسلاح؟
تدخل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مرحلة دقيقة، بعدما لوّحت بيروت بإمكانية عدم المشاركة في جولة روما إذا لم تبدأ إسرائيل بتنفيذ التزامها الأول الوارد في اتفاق الإطار، والمتمثل بالانسحاب من المناطق التجريبية المتفق عليها. وفي المقابل، تبذل الإدارة الأميركية جهوداً لإقناع حكومة بنيامين نتنياهو بالإقدام على هذه الخطوة قبل موعد الاجتماع، في محاولة لإنقاذ المسار التفاوضي من التعثر.
غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن في المواعيد أو أماكن الاجتماعات، بل في استمرار إسرائيل في اعتماد سياسة المماطلة والتهرب من تنفيذ التزاماتها، عبر اختراع ذرائع جديدة في كل محطة. فبعدما كان الحديث يدور حول اعتبارات أمنية مؤقتة، أصبحت الحجة اليوم أن الدولة اللبنانية لم تنجز بعد مهمة حصر السلاح بيدها، وأن سلاح حزب الله ما زال يشكل مانعاً أمام الانسحاب.
هذا الربط يثير سؤالاً مشروعاً: هل أخطأ المفاوض اللبناني عندما قبل بإدخال ملف بالغ التعقيد، كملف سلاح حزب االله، في سياق تنفيذ الانسحابات الإسرائيلية؟
من الواضح أن إسرائيل تحاول تحويل هذا الملف إلى شرط مسبق، لا إلى مسار موازٍ، بحيث يصبح أي تأخير في معالجة قضية السلاح ذريعة دائمة لتعليق الانسحاب. وهكذا تنتقل من موقع الطرف الملزم بتنفيذ تعهداته إلى موقع من يفرض شروطاً إضافية لم ينص عليها الاتفاق بصيغتها التنفيذية، الأمر الذي يُفرِّغ العملية التفاوضية من مضمونها ويحوِّلها إلى وسيلة لكسب الوقت وتكريس الأمر الواقع.
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الدولة اللبنانية التزمت، بإرادتها، العمل على بسط سلطتها الكاملة على أراضيها وتعزيز دور مؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني. غير أن تنفيذ هذا الالتزام يبقى شأناً لبنانياً داخلياً يحتاج إلى توافق سياسي وضمانات للاستقرار، ولا يجوز أن يتحول إلى رخصة مفتوحة تمنح إسرائيل حق تعليق الانسحاب إلى أجل غير مسمى.
أما إذا وصلت الأمور إلى تعليق مفاوضات روما، فإن البديل لا ينبغي أن يكون الانسحاب من العملية السياسية، بل نقل المواجهة إلى المستوى الدبلوماسي والقانوني. فمن حق لبنان مطالبة الولايات المتحدة، بصفتها الراعي الأساسي للاتفاق، بالضغط على إسرائيل لتنفيذ المرحلة الأولى من دون شروط مستجدة، كما يحق له تفعيل دوره في الأمم المتحدة، والتمسك بالمرجعيات الدولية التي تؤكد عدم جواز احتلال الأراضي بالقوة، أو ربط إنهاء الاحتلال باعتبارات سياسية متغيّرة.
إن نجاح أي مفاوضات يفترض احترام مبدأ أساسي لا يحتمل التأويل: تنفيذ الالتزامات بالتوازي وليس بالتسلسل الانتقائي. أما استمرار إسرائيل في انتقاء ما يناسبها من بنود، وتأجيل ما يترتب عليها، فلن يؤدي إلا إلى تقويض الثقة بالمسار التفاوضي برمته، وإعطاء الانطباع بأن الهدف الحقيقي ليس الوصول إلى تسوية مستقرة، بل استخدام المفاوضات غطاءً لإدامة الاحتلال، وفرض وقائع جديدة على الأرض. وهذا ما ينبغي للبنان أن يرفضه بحزم، مستنداً إلى الشرعية الدولية ووحدة موقفه الوطني، لا إلى ردود فعل ظرفية، أو رهانات على تبدل الحسابات الإسرائيلية.






