هل نحن مجرد نسيجٍ طويل ما زال العالم يواصل تطريزه فينا؟
تحوّل الفنانة الدكتورة جويس ج. سكوت Dr. Joyce J. Scott أي قطعة مطرزة أو مشكوكة بالخرز إلى حرفة زخرفية ذات لغة فكرية مركبة. فعملها هذا يبدو ككتلة عضوية معلقة بين النحت والرسم والمنسوجة، وكأنه جلدٌ ثانٍ لذاكرة إنسان أو كائن جمع على سطحه آثار الحياة كلها. لا توجد حدود هندسية واضحة، بل حواف متموجة ومتكسرة، تجعل الشكل يبدو وكأنه نما بيولوجياً ولم يُصنع. وهذه أول إشارة إلى أن جويس لا تفرض النظام على المادة، بل تسمح للمادة بأن تتشكّل بما يسمح لها بالتكوين البصري.
من الناحية البصرية، يعتمد عملها الفني إن صح القول على صراع بين الامتلاء والفراغ. فالكتلة كثيفة للغاية، تكاد لا تترك مساحة واحدة خالية من حدث بصري، بينما يحيط بها فراغ أبيض واسع يمنحها عزلة مدروسة جماليا. هذا الفراغ ليس خلفية، بل جزء من العمل، فهو يجعل الكتلة تبدو وكأنها انفصلت عن العالم وتحمل عالمها الخاص داخلها. كلما ازداد البياض المحيط، ازدادت كثافة التفاصيل الداخلية، حتى يشعر المتلقّي أن الفراغ الخارجي هو الصمت، بينما الكتلة هي الضجيج الكامل للوجود.
أما اللون، فهو مبني على جدلية دقيقة بين الأسود والألوان الفاتحة. الأسود لا يعمل كرمز للظلام، بل كحاضنة بصرية. إنه يشبه الليل الذي يسمح للنجوم بالظهور. فوق هذه المساحات السوداء تتفتح خطوط ودوائر وزهور وخرزات مضيئة، فتتحوّل العتمة إلى مكان للولادة. وفي المقابل، تحمل المساحات البيضاء والوردية والرمادية قدراً كبيراً من الهشاشة والشفافية، وكأنها تمثل الذاكرة أو اللحم أو الجلد. وبهذا يصبح اللون نفسه حواراً بين القوة والضعف، بين الحماية والانكشاف.
ترفض جويس فكرة المركز. لا توجد نقطة واحدة تستقطب العين في أعمالها، بل عشرات المراكز الصغيرة. كل خرزة، وكل دائرة، وكل تطريز، يريد أن يكون بداية القراءة. ولذلك تتحرك العين باستمرار دون أن تستقر. هذه الحركة الدائرية تشبه طريقة عمل الذاكرة الإنسانية؛ فهي لا تسترجع الأحداث وفق ترتيب منطقي، بل تقفز من صورة إلى أخرى، ومن إحساس إلى آخر. إذ يتحوّل التكوين إلى استعارة للعقل أكثر من كونه تنظيماً شكلياً.






