التاريخ في مواجهة سردية «سلخ الأراضي».. من الأوزاعي إلى الحويّك: كيف تعيد الوثائق العثمانية وتقرير كينغ-كرين قراءة نشأة لبنان الكبير؟
جاءت كلمة البطريرك بشارة الراعي خلال الاحتفال التطويبي للبطريرك إلياس الحويّك، وفي غمرة حدث وطني جامع كان حريّاً أن يُستغلّ إيجابياً لدعم مسار بناء الدولة، لتطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات التاريخية والسياسية التي استندت إليها. ففي لحظة تاريخية مفصلية تتضافر فيها جهود رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لاستعادة مفهوم «دولة لبنان الكبير» والجمهورية والسيادة الوطنية وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية على امتداد الوطن، كان المتوقع توظيف هذه المناسبة لتمتين الفكرة الجامعة، لا لإعادة إنتاج مقولات تاريخية إشكالية. ولقد زاد من حساسية المشهد والمناسبة حرص الرئيس نواف سلام على المشاركة شخصياً للتأكيد على أبعادها الوطنية، مقابل تغيب رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي لم يرسل حتى ممثلاً عنه، وهو موقف استوقف الأوساط المراقبة باستغراب وتساؤل حول دلالاته السياسية في هذه اللحظة الحسّاسة.
غير أن الجانب الأكثر إثارة للجدل في كلمة البطريرك الراعي تمثّل في تكرار المقولة الشائعة بأن «البطريرك إلياس الحويّك استعاد الأراضي التي سلختها السلطة العثمانية من لبنان». وهذه المقولة ليست ابتكاراً عابراً؛ فهي، كما توثّق مصادر التيار الماروني السياسي نفسه، تقوم على قراءة مفادها أن حدود متصرفية 1861 كانت «سلباً» لحق لبنان بأراضيه التاريخية والطبيعية، وأن توسيع الحدود عام 1920 كان بالتالي «استعادة» لهذا الحق لا تأسيساً جديداً. وعلى الرغم من الذيوع الواسع لهذه العبارة، فإن تفكيكها على ضوء المستندات الإدارية والتاريخية يكشف عن مغالطة جوهرية تُسقط قراءة أيديولوجية متأخرة على واقع جغرافي وسياسي مختلف تماماً.
• التفكيك التاريخي والإداري للتقسيمات العثمانية
بالعودة إلى سجلات دفاتر الطابو والأرشيف العثماني ووثائق ولايات بلاد الشام، يتضح جلياً أنه لم تكن هناك في أي مرحلة تاريخية دولة قائمة بذاتها تُدعى «لبنان» بحدوده المعاصرة (10452 كم²). فطوال العهود المتعاقبة من أمويين وعباسيين ومماليك وعثمانيين، كانت جبال الساحل والداخل عبارة عن ولايات وسناجق إدارية تابعة لمركز الدولة (بين دمشق، عكّا، طرابلس، أو الأستانة).
أما «متصرفية جبل لبنان» التي أُنشئت عام 1861 برعاية عثمانية ودولية عقب فتنة 1860، فقد تحدّدت بموجب البروتوكول الأساسي (المعدَّل عام 1864) برقعة جغرافية ضيقة نسبتُها الدول الكبرى الست (فرنسا وبريطانيا والنمسا وروسيا وبروسيا والدولة العثمانية) التي أشرفت على صياغته، وقد نص هذا البروتوكول على مجلس إدارة من اثني عشر عضواً موزعين بالتساوي على الطوائف، قبل أن يُعاد توزيعهم نسبياً بعد إحصاء القنصلية الفرنسية عام 1863. ولم تكن الأقضية الأربعة (البقاع، وادي التيم، حاصبيا، وراشيا) والمدن الساحلية الرئيسية (بيروت، طرابلس، صيدا، وصور) يوماً جزءاً إدارياً من هذه المتصرفية لكي يُقال إنها «سُلخت منها»، بل كانت مناطق إدارية قائمة بذاتها تتبع لولاية بيروت أو ولاية دمشق العثمانيتين، وهو ما يؤكده أيضاً مؤرخو التيار اللبناني القائل بـ»الاستعادة» أنفسهم حين يصفون خسارة الجبل لهذه المناطق عام 1861 لا «استعادتها» من احتلال سابق.
• الجذور التاريخية للعيش المشترك: وثيقة الإمام الأوزاعي
تكتسب «الوطنية الجامعة» في هذا الشرق جذوراً إسلامية وإنسانية عميقة تسبق نشوء الكيانات الحديثة بقرون. ولعلّ أبرز مستند تاريخي يجسّد روح المواطنة والعيش المشترك هو موقف إمام بيروت وسائر الشام، عبد الرحمن الأوزاعي (توفي 157هـ)، في عهد الدولة العباسية.
وبحسب ما نقله المؤرخون، ومنهم البلاذري في «فتوح البلدان» وأبو عبيد القاسم بن سلام في «الأموال»، فإن الوقائع كانت أكثر تركيباً مما تختزله الرواية الشائعة: إذ إن نفراً من نصارى جبل لبنان نقضوا العهد وحملوا السلاح في تمرد ضد الوالي العباسي صالح بن علي، فقمع الوالي هذا التمرّد، وأبقى من لم يشارك فيه على دينه وأعاده إلى قريته، ثم عاد لاحقاً وقرر تشريد أهالي القرى كافة وإجلاءهم عقاباً جماعياً، رغم أن أكثرهم لم يشارك في الفتنة. هنا بالتحديد تدخّل الإمام الأوزاعي، محتجّاً بمبدأ العدالة الفردية لا الجماعية، مستشهداً بالآية الكريمة {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، وقائلاً في رسالته الموثّقة للوالي: «فكيف تُؤخذ عامة بذنوب خاصة؟»، مضيفاً أن أهل الذمة أحرار وليسوا عبيداً يُنقَلون من بلد إلى بلد.
كان هذا الموقف سبباً مباشراً في إلغاء قرار التهجير الجماعي وإعادة من بقي من النصارى إلى قراهم، وهو ما جعل الإمام الأوزاعي يُذكر تاريخياً كمن دافع عن حقوق أهل الذمة في جبل لبنان.
• ماذا أراد سكان الساحل والبقاع فعلاً عام 1919-1920؟
من العناصر الغائبة عن الرواية التقليدية أن أهالي المناطق التي أُلحقت بجبل لبنان عام 1920 لم يكونوا جميعاً متحمسين لهذا الإلحاق. فلجنة «كينغ-كرين» الأميركية، التي أوفدها الرئيس وودرو ويلسون عام 1919 لاستطلاع رغبات سكان بلاد الشام، وجدت أن الغالبية في الساحل والداخل، بمن فيهم كثيرون من سكان بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع، عبّروا عن تفضيلهم الانضمام إلى دولة سورية موحّدة تحت حكم الملك فيصل، مع منح جبل لبنان حكماً ذاتياً موسّعاً ضمن هذه الوحدة، لا الانفصال عنها ضمن كيان جديد تحت الانتداب الفرنسي. هذا المعطى، الموثّق في تقرير اللجنة نفسه، يُضعف مقولة أن ضم هذه المناطق كان «استعادة» لإرادة أهلها المسلوبة، ويقوّي الطرح القائل بأن لبنان الكبير كان تأسيساً سياسياً جديداً فرضته موازين القوى الدولية بعد الحرب، لا استرجاعاً لحق كان قائماً.
• الرواية المقابلة ولماذا نشأت؟
من الإنصاف الإشارة إلى أن مقولة «الاستعادة» ليست مجرد اختلاق متأخّر، بل رواية متجذّرة في الخطاب الماروني السياسي منذ عشرينيات القرن الماضي، وتستند إلى حجة اقتصادية - إنسانية لا جغرافية بحتة: فبعد المجاعة التي أودت بحياة نحو ثلث سكان الجبل خلال الحرب العالمية الأولى بسبب الحصار البري والبحري العثماني والحلفاء معاً، رأى البطريرك الحويّك أن حدود المتصرفية الضيقة لعام 1861 جعلت الجبل «غير قابل للحياة» اقتصادياً، محروماً من سهوله ومرافئه الطبيعية، وأن توسيع الحدود كان استرداداً لحق البقاء لا توسعاً استعمارياً.
• صناعة الكيان عام 1920 وسردية التأسيس
إن ما قام به البطريرك الحويّك عام 1919 في مؤتمر الصلح بباريس كان مطالبة بتوسيع حدود جبل لبنان لتأمين مقومات الحياة الاقتصادية والغذائية للمتصرفية بعد فاجعة المجاعة. وبالتالي، فإن إعلان «لبنان الكبير» عام 1920 بموجب القرار 318 للجنرال غورو كان تأسيساً لكيان جديد كلياً، وتوسيعاً لمتصرفية الجبل بضم أقاليم ومدن عثمانية مجاورة كان أهالي معظمها، بحسب ما تقدّم، يفضلون خياراً آخر هو الوحدة مع سوريا، لا «استعادة» لأصل مسلوب.
إن إقحام مصطلحين مثل «الاستعادة» و«الأراضي المسلوخة» يندرج بذلك في إطار ما يمكن تسميته «سردية تأسيسية» تهدف لإضفاء عمق تاريخي على كيان حديث النشأة، وهي ظاهرة معروفة في تأريخ الدول الفتية عموماً وليست حكراً على الحالة اللبنانية. وكان الأجدى بالخطاب الوطني في هذه اللحظة الاستلهام من روح الأوزاعي والتركيز على المشروع الجامع الذي يمثله مسار الرئيسين عون وسلام لتكريس سيادة دولة «لبنان الكبير» الفعلية على كامل أراضيها تحت مظلة القانون والسلاح الشرعي الواحد، بدلاً من نبش سرديات تفصل بين أبناء الوطن الواحد وتستند إلى قراءات تاريخية أحادية الجانب.






