العدالة لا تكتمل بإخلاء السبيل... بل بِكشف الحقيقة كاملة
د. رنا حطيط*
لا تُقاس العدالة بقرار توقيف أو إخلاء سبيل فحسب، بل بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة كاملة، ومحاسبة كلّ من تثبت مسؤوليّته وفقاً للقانون، دون انتقائيّة أو استنسابيّة.
لقد أُُعلن يوم الثلاثاء 21/7/2026 إخلاء سبيل الدكتور «مجتبى بشير مرتضى» مدير الفرع الأوّل لكليّة الحقوق والعلوم السياسيّة والاداريّة – الجامعة اللّبنانيّة لقاء كفالة ماليّة مرتفعة، وهو تطوّر يُخفف من معاناة إنسانيّة استمرّت لأشهر طويلة، لا سيّما بعد إضرابه عن الطعام احتجاجاً على استمرار توقيفه. إلّا أنّ هذا القرار، على أهميّته، لا يُنهي الأسئلة الجوهريّة الّتي ما زالت تُطرح حول هذا الملف، ولا يُغلق باب المطالبة بتحقيق شامل يكشف حقيقة ما جرى.
إنّ مسؤولية الدولة والقضاء لا تقتصر على إصدار القرارات الإجرائيّة، بل تمتدّ إلى صون كرامة الإنسان وضمان حقّه في محاكمة عادلة ضمن مهلة معقولة، وصولاً إلى حكم قضائي يفصل في الوقائع ويحدّد المسؤولياّت بعيداً عن أيّ ضغوط أو اعتبارات أخرى.
وقضيّة الشهادات الجامعيّة المزوّرة في الجامعة اللبنانيّة ليست قضيّة فرد، بل قضيّة تمسّ مؤسّسة وطنيّة وثقة المجتمع بالتعليم العالي. ومن هنا، فإنّ السؤال الّذي ينبغي أن يبقى حاضراً هو: من ارتكب فعل التزوير؟ ومن سهّله؟ ومن استفاد منه؟ ومن قصّر في منعه؟
إن العدالة لا تتحقّق عند الاكتفاء بملاحقة شخص واحد، بل عندما تشمل كلّ من تثبت مسؤوليّته، مهما كان موقعه أو صفته.
وإذا كانت هناك، بحسب ما يُتداول في الملف، شخصيّات تدور حولها شبهات أو لم تُستكمل الإجراءات بحقّها بعد، فإنّ مبدأ المساواة أمام القانون يقتضي أن يخضع الجميع للمساءلة القضائيّة نفسها، لأنّ الانتقائيّة في الملاحقة تُضعف ثقة النّاس بالقضاء، حتى وإن كانت القرارات القضائيّة تُبنى على معطيات وأدلّة تختلف من شخص إلى آخر.
ولا يعني هذا الكلام تبرئة الدكتور مجتبى مرتضى أو إدانة غيره قبل صدور الأحكام، فالقضاء وحده هو صاحب الكلمة الفصل. لكنّ الدفاع عن قرينة البراءة، وحق كل متهم في محاكمة عادلة وسريعة، هو دفاع عن القانون نفسه، وليس عن شخص بعينه.
إنّ الجامعة اللبنانيّة تستحق كشف الحقيقة كاملة، لأنّها أكبر من أيّ فرد، وحماية سمعتها لا تكون بإغلاق الملفّات، بل بكشف كلّ من تورّط، ومحاسبة كلّ من يثبت القضاء مسؤوليّته، وإنصاف كلّ من يثبت أنّه تعرّض للظلم.
فالرسالة الّتي يجب أن تخرج من هذه القضيّة ليست أنّ مَن يكشف الخلل يدفع الثمن، ولا أنّ أصحاب النفوذ بمنأى عن المحاسبة، بل أنّ القانون يعلو على الجميع، وأنّ العدالة لا تعرف إلا معياراً واحداً.
فالحقّ لا يكتمل بإخلاء سبيل، ولا تتحقّق العدالة بمجرد الإفراج، وإنّما تكتمل حين تُقال الحقيقة كاملة، ويُحاسَب كلّ مسؤول وفق القانون، ويخرج البريء مرفوع الرأس، ويُدان المذنب بعد محاكمة عادلة. عندها فقط تستعيد العدالة معناها، وتستعيد الدولة ثقة مواطنيها.
* أستاذة أكاديميّة وخبيرة دوليّة في التكنولوجيا التربويّة والذكاء الاصطناعي






