الدولة في فلسفة القانون: نحو قانون بإنشاء المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية ووزارة التخطيط لترسيخ الدولة العلمية وتحقيق التنمية المستدامة في لبنان
د. حسين محمود رمال*
لا تُبنى الدولة الحديثة على ردود الأفعال أو على إدارة الأزمات، وإنما تُبنى على التخطيط العلمي الذي يحول الإرادة الوطنية إلى سياسات عامة ملزمة، ويجعل من القانون أداةً لتنظيم المستقبل قبل معالجة الحاضر. فالدستور يضع المبادئ العليا للدولة، بينما يتولى التخطيط العلمي ترجمة تلك المبادئ إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس والتقييم والمراجعة. وكل دولة تتخلى عن التخطيط الاستراتيجي إنما تتخلى تدريجياً عن سيادتها الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وتصبح رهينة التحولات الداخلية والخارجية.
ويقتضي ذلك سن قانون ينشئ مؤسسة وطنية مستقلة تتولى رسم السياسات العامة للدولة على أسس علمية، بعيداً عن الاعتبارات السياسية الآنية، بحيث تشكّل المرجعية الفكرية والتخطيطية لجميع السلطات العامة. ومن هذه المؤسسة تنبثق وزارة متخصصة بالتخطيط، تتولى تنفيذ الخطط الوطنية ومتابعتها، بما يحقق التكامل بين المعرفة والقرار، وبين البحث العلمي والإدارة العامة، ويؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها لبنان دولة معرفة ورسالة حضارية في محيطه العربي والدولي.
أولاً: إنشاء المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية والتخطيط بوصفه مؤسسة دستورية لحماية مستقبل الدولة
يُنشأ بقانون خاص المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية والتخطيط بوصفه مؤسسة رسمية مستقلة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلالين الإداري والمالي، وتكون مهمته إعداد الرؤية الوطنية الشاملة للدولة اللبنانية، واقتراح السياسات العامة، وإعداد الدراسات الاستراتيجية في مختلف القطاعات، بما يضمن استمرارية التخطيط الوطني بمعزل عن تبدّل الحكومات أو التوجهات السياسية.
ويُدار المركز من مجلس علمي أعلى يضم نخبة من الأكاديميين والخبراء في القانون الدستوري والدولي، والاقتصاد، والإدارة العامة، والهندسة، والموارد المائية، والبيئة، والعلوم الاجتماعية، والتكنولوجيا، والصحة، والزراعة، والطاقة، وسائر الاختصاصات التي تخدم بناء الدولة. ويكون معيار العضوية الكفاءة العلمية والخبرة العملية والنزاهة والاستقلال، دون أي اعتبار حزبي أو طائفي أو سياسي.
ويُحظر بنص القانون أي تدخّل سياسي في أعمال المركز أو تعديل نتائجه أو التأثير في توصياته، وتعدّ كل محاولة للتدخّل مخالفة قانونية تستوجب المساءلة، لأن المعرفة العلمية لا تخضع للمساومات، ولأن التخطيط الوطني يمثل حقاً للأمة بأجيالها المتعاقبة، وليس أداة لتحقيق مصالح ظرفية.
ويختص المركز بإعداد الخطط الوطنية القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى، وإجراء الدراسات المقارنة، واستشراف المخاطر المستقبلية، واقتراح الحلول التشريعية والإدارية، وقياس أداء المؤسسات العامة، ومراجعة السياسات الوطنية بصورة دورية، بما يضمن التطوير المستمر لأداء الدولة.
كما يتولى إعداد قاعدة بيانات وطنية موحّدة تعتمد الإحصاءات الدقيقة والمؤشرات العلمية، لأن القرار العام الذي لا يستند إلى بيانات صحيحة يتحول إلى اجتهاد إداري يفتقر إلى الأساس الموضوعي.
ويمثل المركز المرجع العلمي للدولة في إعداد مشاريع القوانين ذات الطابع الاستراتيجي، ويقدم الرأي الإلزامي في المشاريع المرتبطة بالتخطيط الوطني والتنمية المستدامة وإدارة الموارد الطبيعية، بما يحقق الانسجام بين التشريع ومتطلبات التنمية.
ولا تقتصر مهمة المركز على إعداد الدراسات، بل تمتد إلى نشر الثقافة العلمية في الإدارة العامة، وتعزيز العلاقة بين الجامعات ومؤسسات الدولة، واستقطاب الباحثين اللبنانيين داخل الوطن وخارجه، وتحويل الخبرة الأكاديمية إلى قوة إنتاجية تسهم في صناعة القرار الوطني.
ومن وظائفه أيضاً إعداد استراتيجية وطنية شاملة لإدارة الثروة المائية اللبنانية، باعتبار المياه أحد أهم عناصر الأمن القومي. فالمياه التي تتدفق إلى البحر دون استثمار تمثل هدراً لثروة وطنية لا يجوز استمرار التفريط بها، ويقتضي القانون إلزام الدولة بوضع خطة علمية متكاملة لإنشاء السدود والمنشآت المائية وشبكات التخزين والري وإعادة استخدام المياه، بما يحول هذه الثروة إلى ركيزة للتنمية الزراعية والصناعية والاقتصادية، ويؤمن حق الأجيال المقبلة في مواردها الطبيعية.
ثانياً: استحداث وزارة التخطيط وتجسيد رسالة لبنان بوصفه دولة معرفة وتنمية وسيادة
يستتبع إنشاء المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية والتخطيط استحداث وزارة التخطيط بقانون، لتكون السلطة التنفيذية المختصة بتحويل الدراسات العلمية إلى سياسات عامة وخطط وطنية ملزمة، على أن ترتبط أعمالها بالتقارير الصادرة عن المركز، فلا يصبح التخطيط رهناً بالتبدّلات الحكومية أو بالاعتبارات السياسية المؤقتة. وتلتزم جميع الوزارات والإدارات العامة بإدراج برامجها السنوية والخمسية ضمن الخطة الوطنية التي تعتمدها الدولة، بما يحقق وحدة الأداء الإداري ويمنع تضارب السياسات العامة.
وتتولى الوزارة إعداد مؤشرات التنمية الوطنية وقياس مستوى تنفيذ المشاريع العامة، ومراجعة نتائجها بصورة دورية، ورفع تقارير ملزمة إلى مجلس الوزراء ومجلس النواب، بما يعزز الرقابة والمساءلة ويحول دون هدر المال العام أو تبديد الموارد الوطنية.
ويُنشأ ضمن هيكلية الوزارة المكتب الوطني للعمل والعمال، ويختص بإجراء الدراسات الدورية حول سوق العمل، وتحديد حاجات الاقتصاد اللبناني إلى اليد العاملة في مختلف القطاعات، وإعداد قاعدة بيانات وطنية متكاملة تحدد الاختصاصات المطلوبة وحجم البطالة ونسب الإنتاجية ومتطلبات التنمية البشرية. فلا يجوز السماح بدخول أي يد عاملة أجنبية إلا في حدود الحاجة الفعلية التي تثبتها الدراسات العلمية، وبما يحفظ حق العامل اللبناني ويعزز الاقتصاد الوطني.
ويقتضي ذلك تشديد أحكام الإقامة الشرعية، وربط منح إجازات العمل والإقامة بنتائج التخطيط الوطني، واعتماد سياسة قانونية صارمة في مكافحة العمالة غير النظامية، وضبط الحدود البرية والبحرية والجوية وفق مقتضيات الأمن القومي وسيادة الدولة، لأن حماية الحدود ليست وظيفة أمنية فحسب، بل تمثل ركناً من أركان التخطيط الوطني وحماية المجتمع والاقتصاد.
كما تُلزم الدولة بإعداد استراتيجية وطنية لاستثمار جميع مواردها الطبيعية، وفي مقدمتها المياه، والطاقة، والثروة الزراعية، والموارد البشرية، بحيث يتحول التخطيط إلى أداة إنتاج للثروة الوطنية، لا مجرد وسيلة لإدارة النفقات العامة. ويصبح استثمار المياه مشروعاً وطنياً دائماً يهدف إلى تحقيق الأمن المائي، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتعزيز الصناعة، وتأمين الطاقة النظيفة، ومنع استمرار ضياع هذه الثروة في البحر دون استثمار يحقق المصلحة الوطنية.
ويمتد اختصاص الوزارة إلى إعداد رؤية وطنية للبحث العلمي والابتكار، وربط الجامعات اللبنانية بمؤسسات الدولة والقطاع الإنتاجي، وتشجيع مراكز الأبحاث والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات المعرفية، بما يجعل المعرفة أساساً للنمو الاقتصادي، ويعيد للبنان موقعه مركزاً علمياً وثقافياً في المنطقة.
إن الدولة التي تستثمر في العقل البشري تمتلك القدرة على صناعة المستقبل، أما الدولة التي تكتفي بإدارة أزماتها فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على المنافسة وعلى حماية سيادتها واستقلال قرارها الوطني. ومن هنا يصبح التخطيط العلمي التزاماً دستورياً وأخلاقياً تجاه المجتمع، وليس خياراً سياسياً قابلاً للتبديل.
ولا تكتمل فلسفة الدولة الحديثة إلّا بترسيخ مبدأ استمرارية التخطيط، بحيث تبقى الخطط الوطنية ملكاً للدولة لا للحكومات، وتبقى المؤسسات العلمية محمية بالقانون من كل تدخّل أو ضغط أو تعطيل، لأن الدولة التي تجعل العلم مرجعاً لقرارها تضمن استقرارها، وتحفظ حقوق أجيالها، وتؤسس لنهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية مستدامة.
بناءً عليه، يفرض الواجب الوطني سن قانون ينشئ المركز الوطني للدراسات الاستراتيجية والتخطيط بوصفه المرجعية العلمية العليا للدولة، واستحداث وزارة التخطيط بوصفها الأداة التنفيذية لتحقيق الرؤية الوطنية، مع توفير الضمانات القانونية الكاملة لاستقلالهما عن كل نفوذ سياسي أو حزبي أو فئوي. كما يفرض القانون إلزام السلطات العامة باعتماد التخطيط العلمي أساساً لصناعة القرار، واستثمار الثروات الوطنية وفق دراسات متخصصة، وتنظيم سوق العمل، وضبط الحدود، وتعزيز البحث العلمي، وتحويل الجامعات إلى شريك في التنمية الوطنية. بذلك ينتقل لبنان من دولة تلاحق الأزمات (كالتوظيف العشوائي) إلى دولة تصنع المستقبل، ومن إدارة الواقع إلى بناء الغد، ومن منطق المعالجات المؤقتة إلى فلسفة الدولة الراسخة التي تجعل الإنسان محور التنمية، والعلم أساس السلطة، والقانون الضمانة العليا لاستمرار النهضة، فيغدو لبنان مشعلاً للمعرفة، ومنارةً للبحث العلمي، ورسالةً حضاريةً في خدمة الإنسان والوطن.
* باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي والدستوري






