بعد مئة عام.. الجيش التركي يعود لسوريا (1918 - 2018)
حجم الخط
نستذكر تاريخ جلاء الجيوش العثمانية التركية عن بلادنا - لبنان وسوريا - إبّان الحرب العالمية الأولى في العام 1918، تعود هذه الذكرى إلى ما يقارب المئة عام مضت، كرّست حكماً عثمانياً لامبراطورية توسعت في القارات الثلاث آسيا وأوروبا وافريقيا.
فقد خرجت الجيوش العثمانية حينها على وقع اشتعال الحرب العالمية الأولى، والتي خلفت وراءها مجموعة من البلدان العربية لا تستطيع إدارة شؤونها الداخلية..
يعود الجيش العثماني اليوم في 2018 إلى سوريا عسكرياً، بشكل رسمي من بوابة عفرين الكردية، بعد مضي قرن كامل على خروجه من الأراضي العربية السورية، مع اختلاف في الظروف التاريخية والاستراتيجية للمنطقة والعصر والمجتمع والأهداف، ففي العام 1918 خرج الرجل المريض - أي الدولة العثمانية - إلى أراضيه يحاول الابتعاد عن النار المشتعلة في الأرجاء، تاركاً امبراطورية شبه مدمرة، حكمت العالم سنين طويلة... اما الظروف اليوم، قد تختلف في الشكل والمضمون.
يحارب الأتراك في سوريا دفاعاً عن الوجود، متمسكين بحقهم الدولي في الدفاع عن النفس، هذا ما عبرت عنه الرئاسة التركية في تصريحاتها المتتالية، فالشعب التركي يتحلق حول قيادته السياسية الإنقاذية التي أعادت البلاد إلى مسار الدول العظمى في المحيط.
هي تركيا الجديدة المصنعة للسلاح والعتاد، واللاعبة الإقليمية على خط الدول المؤثرة في المنطقة والجوار، وهي اللاعب الأساسي في الملف السوري المشتعل، والذي يشهد صراعاً دولياً تتشارك فيه معظم البلدان الكبيرة من إيران وروسيا وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية.
فالظروف العامة المحيطة بالتطورات الإقليمية على الساحة السورية، جعلت من التركي صاحب المبادرة والتقدم لأول مرّة بشكل عسكري واضح تجاه عفرين السورية لمحاربة ودحر قوات حماية الشعب الكردية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية وإقامة منطقة عسكرية عازلة في الشمال السوري.
تأتي هذه العملية التركية الجريئة وسط قلق أميركي وصمت إيراني وترقب روسي... بالاشتراك مع الجيش السوري الحر، الحليف الميداني للجيش التركي في هذه العملية التي يرفضها النظام السوري شكلاً ومضموناً.
هذه هي الظروف التي تبدّلت في الجانب التركي خلال مئوية خروجه من سوريا.. ولكن ماذا عنا نحن العرب؟؟ هل تبدّلت ظروفنا وأحوالنا بين العام 1918 والعام 2018..؟
القاسم المشترك الوحيد بين تلك الحقبة واليوم، هو اننا نحن العرب لم نكن - وما زلنا - الطرف الوحيد الذي لا تأثير له في الملفات التي تعنينا، وأننا لا نستطيع تحديد مصيرنا أو حل الخلافات والحروب الناشبة بيننا والتي يستثمرها الأجنبي تارة، ونستدعيه لحمايتنا وقتل بعضنا بعضا تارة أخرى.
الملف السوري الآن، بعهدة مجموعة من الدول الأجنبية المؤثرة واللاعبة الرئيسية فيه، دون تدخل الشعب السوري في صناعة الحل، تماماً كما كنا في الماضي أيام خروج الجيش التركي من بلادنا، فقد أصبحنا حينها في عهدة الدول المنتصرة التي انتدبتها عصبة الأمم لإدارة شؤون بلادنا المتأخرة!!!
يُعيد التاريخ نفسه في عصرنا الحاضر، ويزداد فيه عالمنا العربي تشرذماً وتفككاً وتدميراً، فآلة الدمار في سوريا والعراق واليمن، خلفت سنوات طوال من الرجعية والطائفية، قد مرّت على مدن بكاملها فسوّتها حجراً وبشراً وتراثاً وتاريخاً.
قد يكون الأتراك وقعوا في فخ المستنقع السوري بشكل مباشر هذه المرة، وقد تكون عمليتهم العسكرية المحدودة رداً لاعتبارهم عند الحدود السورية وحماية لأراضيهم كما يقولون، وربما تنتهي بتفاهم دولي إقليمي يوقف الصراع العسكري المحتدم في تلك المنطقة وينزع عنها فتيل الأزمة المتصاعدة، لكن المؤكد ان الأثر التدميري الذي ألحقته الحرب في بلادنا، لم ينته بعد...
ومن الممكن أن يستمر إلى مئة عام أخرى، فخلال المئوية السوداء الماضية ظهرت إسرائيل واحتلت فلسطين وتقسمت البلدان العربية وصعدت القوميات والعرقيات والطوائف التي لم تكن موجودة اصلاً... وعدد غير محدود من الحروب الداخلية الطائفية بيننا.. وربما سيكون الآتي اعظم!
مروان حيدر






