«الفاسدون ثلاثة»!!!
أما بعد...
فإن البلاء لا يُعرف بعِظَم ضجيجه، ولكن بعِظَم أثره، وإن الشرور ليست سواءً، كما أن الجراح ليست سواءً؛ فمنها ما يبرأ على مهل، ومنها ما يترك ندبة، ومنها ما ينفذ إلى القلب فلا يُبقي من الحياة إلّا صورةً تتحرك.
وكذلك الفساد.
فإن الناس قد جعلوا الفساد اسماً واحداً، وهو عند ذوي البصائر أجناسٌ تتباين، ومراتبُ يتفاضل بعضها في الشر على بعض، حتى ينتهي الأمر إلى فسادٍ لو قيس بخراب المدن لكان خراب المدن أهون، ولو وُزن بضياع الأموال لكانت الأموال أقلَّ ما يُفقد.
واعلم أن الفاسدين ثلاثة: فاسدٌ لعين، وفاسدٌ مُفسد، وفاسدٌ ظالم؛ ولكل واحدٍ منهم سيرةٌ تُعرف بها حقيقته، وآيةٌ يُهتدى بها إلى باطنه.
فأما الفاسد اللعين، فهو الذي مات ضميره قبل أن يموت جسده، وانسلخ من الحياء كما تنسلخ الحية من جلدها، فلا يرى للفضيلة حرمة، ولا للأمانة قدراً، ولا للعهد وزناً.
يبيع دينه بعرضٍ زائل، ويستبدل الشرف بمنفعة، ويقايض المروءة بلذة ساعة، فإذا خُيِّر بين الحق والربح، اختار الربح، وإذا خُيِّر بين الكرامة والسلامة، آثر السلامة ولو كانت ذلّاً.
هو شريرٌ على نفسه، عدوٌّ لروحه، قد حملها على الهوان حتى ألفته، وعلى المذلّة حتى استمرأتها.
فإذا سرق، فإنما يملأ جيبه.
وإذا خان، فإنما يرفع قدره عند من لا قدر له.
وإذا كذب، فإنما يستر عورته بثوبٍ من دخان.
فهو ملعونُ الأثر، غير أن شره، على فداحته، لا يزال محصوراً في دائرة نفسه ومن قرب منها.
وأما الفاسد المُفسد، فذلك داءٌ إذا نزل بقومٍ أفسد طباعهم قبل أن يفسد أحوالهم.
لأنه لا يحتمل أن يرى طاهراً بين الأدناس، ولا أميناً بين الخونة، ولا عفيفاً بين المتكالبين.
صلاح الناس فضيحةٌ له، واستقامةُ غيره شهادةٌ على اعوجاجه؛ ولذلك لا يقر له قرار حتى يجرَّ الصالح إلى وحله، أو يرميه بحجرٍ من بهتانه، أو يكسر في نفسه شوكة الاستقامة.
يُسمِّي النفاق سياسة، ويجعل الخيانة دهاء، ويزعم أن الرشوة هدية، وأن الكذب لباقة، وأن الانتهازية فطنة، حتى إذا استدار الزمان، صار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً.
وما أشدَّ خطره!
فإن الفاسد الأول يهوى بنفسه، وهذا يهوى بالأمة.
الأول يفسد فعلاً، والثاني يفسد ميزاناً.
الأول يسرق مالاً، والثاني يسرق الضمير.
فإذا ضاع الضمير، لم يبقَ قانونٌ يحرس، ولا قاضٍ يعدل، ولا واعظٌ يُسمع.
وأما الفاسد الظالم، فهو آفة الآفات، وبلية البليات، وهادم العمران، وقاصم ظهور الأمم.
ذلك أنه جمع فساد النفس إلى سلطان اليد، وخبث السريرة إلى قوة البطش، فصار إذا أراد الباطل أن يتكلم، تكلم بلسانه، وإذا أراد الظلم أن يمشي، مشى على قدميه.
لا يكتفي بأن يأكل الحقوق، بل يمنع أصحابها من الشكوى.
ولا يرضى بأن يُقصي الأكفاء، حتى يجعل الإقصاء قانوناً.
ولا يهنأ له مقام حتى يخافه الصادق، ويأمنه المنافق، ويُكرم فيه المتزلف، ويُهان الشريف.
يجعل القانون شبكةً لا يقع فيها إلا الضعفاء، ويجعل العدل باباً لا يُفتح إلا لمن رضي عنهم، ويجعل الوطن ضيعةً، والرعية متاعاً، والسلطان ميراثاً.
فإذا تمكن، خُيِّل للناس أن الظلم هو النظام، وأن الحرية فوضى، وأن الكرامة تمرّد، وأن السكوت فضيلة.
وهنا تبلغ الأمة غاية الانكسار؛ لأن السلاسل لا تُقيّد الأيدي وحدها، بل تُقيّد العقول أيضاً.
واعجب كل العجب ممن يظن أن خراب الأوطان يبدأ من حدودها!
كلا...
بل يبدأ يوم يُؤتمن الفاسد، ويُصدَّق الكاذب، ويُخوَّن الأمين، ويُخوَّف الحر، ويُرفع الوضيع، ويُخفض الرفيع.
فإذا استقامت هذه الموازين المقلوبة، فلا تسل عن قصرٍ يتهدّم، ولا عن اقتصادٍ ينهار، ولا عن شعبٍ يهاجر؛ فإن ذلك كله إنما هو صدىً لخرابٍ وقع أولاً في النفوس.
وليس أخوف ما يُبتلى به الناس أن يوجد فيهم الفساد؛ فإن الأرض لم تخلُ منه قط.
ولكن أخوف البلاء أن يُصبح الفاسد قدوة، والمفسد معلّماً، والظالم حَكَماً.
فإذا بلغ القوم هذه المنزلة، فقد استبدلوا نور الفطرة بظلمة الهوى، وصاروا يحسبون أن الشمس لا تشرق إلّا بإذن الظلام.
فاحذروا الفاسد اللعين؛ فإنه يهدم نفسه.
واحذروا الفاسد المفسد؛ فإنه يهدم الأخلاق.
ثم احذروا، ثم احذروا، ثم احذروا الفاسد الظالم؛ فإنه إذا استقام له الأمر، لم يترك في الأرض عدلاً إلّا طمسه، ولا حقاً إلّا غمسه، ولا كريماً إلّا حاربه، ولا ذليلاً إلّا استعمله.
وما سقطت دولةٌ بسيف عدوها، حتى سقطت أولاً بفساد رجالها؛ فإذا فسد الرجال، استغنى العدو عن القتال، لأن الأمة تكون قد أكلت نفسها بيدها، وشربت كأس هلاكها من إنائها.
د. محمود الحلو






