تحصيل الأبناء الدراسي يتأثّر بمعايشتهم للخلافات الزوجية!!
حجم الخط
يكاد لا يخلو بيت من الخلافات الزوجية، خاصة تلك التي تحدث أمام الأبناء، وهذا أمر طبيعي، وإنء كان من غير المحبّذ وقوعه أمام الأطفال، فكيف إنْ وصل حد الخلاف إلى التأثير سلبيا على حياة الأبناء ومستقبلهم بشكل عام وعلى تحصيلهم الدراسي بشكل خاص؟.
لتسليط الضوء على أهمية العائلة في حياة الأبناء وعلى مدى تأثيرالعلاقة المتشنّجة بين الزوجين على التحصيل الدراسي للولد، التقت «اللواء» الأخصائية النفسية خلود ابراهيم، فكان الحوار الآتي:
{ بداية ما أهمية العائلة في حياة الأبناء؟
- «تُعرّف العائلة بأنّها الخلية الأولى في جسم المجتمع، وأنّها النقطة الأولى التي يبدأ فيها التطوّر، وأنّها الوسط الطبيعي الإجتماعي الذي يترعرع فيه الفرد، لذا تلعب العائلة دوراً بارزاً في تربية الأبناء وتنشئتهم وإكسابهم العادات والمعايير والقيم، إذ تؤمن الأسرة الحاجات الأساسية للولد من مأكل ومشرب وملبس، كما تؤمن حاجته للحب والتقبّل والتقدير والأمن والإنتماء، وتوفّر له بيئة حاضنة ومشجّعة على تطوّره ونموّه، ففي ظلها يستطيع الولد النمو بشكل سليم، ليحافظ على كيانه وشخصيته، ويتخذ منها قدوة الأهل، ويشكّل هويته الذاتية بخوضه عملية التماهي بالأب (للصبي) أو الأم (للبنت)، فلا يمكن للفرد أنْ يعبر مسيرة تكوين شخصيته دون عائلة تحتضنه وترعاه.
وضمن هذا الإطار، أعطى فرويد للسنوات الخمس الأولى من عمر الفرد الأهمية الكبرى على صعيد تكوين الشخصية، وهو العمر الأساسي الذي يبني فيه الفرد ذاته، «فيولد الطفل عبارة عن ورقة بيضاء نكتب عليها ما نشاء» وفق جون لوك، فما نكتبه إيجابياً على هذه الورقة نزرعه لينمو بنمو شخصية الفرد الإيجابي الفعّال، وما نكتبه سلبياً ينمو ويكبر ليعطي انطباعاً سلبياً في المستقبل، وقد أوضح فرويد بحديثه عن أهمية العائلة أنها البيئة التي ينشأ فيها الفرد ويكتسب فيها مميزات شخصيته في المستقبل».
{ وكيف تؤثّر العلاقة المتشنجة بين الزوجين على التحصيل الدراسي للولد؟
- «للعائلة دور كبير تحتلّه على الصعيد النفسي، البيولوجي، الإجتماعي والثقافي تجاه أفرادها، ما يجعلنا نتمركز حولها ونهتم بكفاءتها، فالولد يعيش في عائلة يمتص فيها كل ما يصدر منها ليكوّن شخصية سوية أو مضطربة. وقد أوضح فرويد أنّ الشخص المضطرب هو نتاج عائلة مضطربة.
ولعل أهم أسباب هذا الإضطراب الخلافات والعلاقة المتشنّجة بين الوالدين، التي بدورها تنعكس على التحصيل الدراسي للولد، ولكن يختلف تأثير الخلافات على التلميذ بحسب المرحلة العمرية التي يعيشها ودرجة الإدراك والفهم، فكلما كان أصغر كان لها أثر سلبي أكبر».
نتائج الشجار الأبوي
{ ماذا عن نتائج الشجار الأبوي أمام الأبناء؟
- «إنّ معايشة الولد للخلافات الزوجية في المنزل تُفقده الشعور بالرضا عن ذاته، والأمان النفسي والعاطفي، فهو يشعر بعدم الإستقرار وينشغل معظم وقته بالمشاكل والكلمات والمواقف التي عايشها وشاهدها من خلافات بين أمه وأبيه، ما يؤدي إلى شروده أثناء الحصص وعدم تركيزه على الدروس المعطاة، وقلة الإندفاع للتعلم. كما يتسبّب الوضع المأزوم في المنزل بالتوتّر والقلق والخوف ما يؤدي إلى عدم المشاركة في الصف والخجل من الآخرين والشعور بالدونية، وبالتالي الإنزواء وفقدان روح المبادرة في الأعمال الصفيّة والمدرسية، وهذا ما يسفر عنه تراجع في التحصيل الدراسي وظهور العديد من الإضطرابات النفسية والسلوكية للتلميذ مثل التأتأة، قضم الأظافر، التبول والتغوّط اللاإراديين، والعدوانية. فالتلميذ يمكن أن يصبح عدوانياً مع رفاقه في المدرسة ويستعمل الكلمات والشتائم الصادرة عن الأم أو الأب، وهو بدوره وكأنه يمتلك تصريحاً لتلك الكلمات النابية كونها صادرة عن مرجع أساسي له ألا وهو والديه.
نضيف إلى ذلك، ضعف التواصل والحوار أو انعدامه بين التلميذ وأهله، فهم مشغولون بمشاكلهم، وهنا يغيب الدور الفعّال للأهل في متابعة شؤون ولدهم ما يشكّل خطراً بلجوء الولد للبحث عن بديل عن الأهل، كي يسمع مشاكله ويدخل في خصوصياته، وقد يكون هذا الشخص غير مناسب، كما يمكن أن يرافق رفاق السوء. وهكذا يكون التلميذ الإبن هو ضحية خلافات الأهل على مستوى الدراسة وحياته العملية وشخصيته ومستقبله الغامض».
توصيات مقترحة
{ بماذا توصون الأهل للمساعدة في بناء عائلة متزنة ترفع من مستوى تحصيل الأنباء الدراسي؟
- «إنّ العائلة الهادئة والمتفاهمة هي إحدى الدعائم التي يرتكز عليها الطالب للوصول إلى تحقيق كيان متزن يدعم تطوّره ونموّه بشكل سليم ليستطيع اكتساب التحصيل العلمي اللازم. لهذا على العائلة أنْ تؤمّن شروطاً أساسية أهمها التواصل الفعّال بين أفراد العائلة واستخدام الحوار كوسيلة لحل المشاكل والخلافات الأسرية. كذلك ينبغي التواصل الدائم بين الأهل والمدرسة، والمتابعة اليومية للتلميذ بدرسه ومشاكله وهمومه المدرسية والعمل على توزيع الأدوار بشكل متوازن بين أفراد العائلة وإعطاء كل فرد دوره تجاهها، والأهم تجنب وصول مشاكل الأهل للأولاد وإبقاء الأبناء بعيداً عن مشاحنات الأهل ومناقشة خلافاتهم جانباً.
كما أنصح بتوفير وقت كافٍ لاجتماع أفراد العائلة مع بعضهم البعض وتخصيص وقت للتنزه سوياً على الأقل مرة بالأسبوع. وأيضا من الضروري تقديم المحفّزات المادية والمعنوية المناسبة مع قدرات العائلة لدعم اندفاع التلميذ وتحفيزه على السير قدماً نحو النجاح المستمر. هذا بالإضافة إلى أهمية توفير جو من الحنان والمحبة والتفاهم والمشاركة داخل العائلة، إذ يعتبر ذلك من الشروط الأساسية التي يحتاج إليها الولد للشعور بالأمان العاطفي الذي يشكل الجسر الذي يربط بين الولد والعالم من حوله، فالإستقرار الأسري هو صمام الأمان العاطفي. وكلما كانت العلاقة الزوجية قوية كانت قدرات الولد على اكتشاف العالم الخارجي وعلاقاته مع الآخرين أقوى.
باختصار، المشاكل الأسرية تدمّر جسور التواصل مع العالم، الأمر الذي يجعل من الصعب على الولد إقتحام العالم من حوله أو التفاعل مع ما يجري فيه».






