زيارة نواف سلام إلى أنقرة: هل تؤسّس لشبكة أمان إقليمية بركيزتين سعودية وتركية؟
يحظى التقييم الجيوسياسي للعلاقات اللبنانية - التركية بأهمية بالغة في توقيتٍ حسّاس تعاد فيه رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. ولم تعد الزيارات الرسمية المتبادلة بين بيروت وأنقرة مجرد بروتوكول دبلوماسي تقليدي، بل تحوّلت إلى محطات استراتيجية لإعادة التموضع. وتأتي زيارة رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، إلى العاصمة التركية ولقائه بالرئيس رجب طيب أردوغان، لتؤكد أن أنقرة تستعد لتدشين مرحلة جديدة من الحضور السياسي والاقتصادي الفاعل في شرق المتوسط، مستفيدة من التبدلات الجذرية الإقليمية.
• سياق الزيارة وأجندتها الرسمية
جاءت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في ظل ظروف استثنائية فرضتها التطورات الميدانية والسياسية. ولم تكن المحادثات مقتصرة على المجاملات الدبلوماسية، بل اتسمت بطابع عملي تنفيذي بدا واضحاً من خلال تشكيلة الوفد المرافق، ومحاور النقاش التي شملت قطاعات حيوية كالطاقة، والأشغال العامة، والبيئة، والتنسيق الأمني.
بدأت الزيارة بمحطة رمزية هامة تمثلت في زيارة ضريح مؤسس الدولة التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، تلاها عقد قمة ثنائية مغلقة بين رئيس الحكومة اللبنانية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في المجمع الرئاسي بأنقرة، ثم جرت مباحثات موسّعة بحضور وزراء البلدين لتوقيع مذكرات تفاهم وتنسيق مشترك.
• إعادة التموضع الجيوسياسي (لماذا لبنان الآن؟)
وفقاً للقراءات الاستراتيجية ومحاضر تقييم الزيارة، لم يعد صانع القرار التركي ينظر إلى الساحة اللبنانية كملف معزول أو ساحة لتقديم المساعدات الإنسانية فحسب، بل كحلقة أساسية وركيزة جوهرية في ترتيبات الأمن الإقليمي للمشرق العربي ككل. وينطلق هذا التوجه التركي المتجدّد من متغيّرين بارزين:
أولاً: ملء الفراغ ومواجهة التفرّد الإسرائيلي: تسعى أنقرة عبر هذا الانفتاح عالي المستوى إلى كسر الاحتكار الإسرائيلي في صياغة المعادلات الأمنية للمنطقة، وهو الاحتكار الذي نتج عن تراجع الحضور الإيراني عقب المواجهات الأخيرة في المنطقة. وترى تركيا أن غياب التوازن يدفع بالمنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار، مما يفرض عليها التدخّل كقوة إقليمية وازنة لحماية خاصرتها الجنوبية في شرق المتوسط.
ثانياً: التلازم مع التحوّل السوري الكبير: يرتبط الاهتمام التركي المتزايد بلبنان بالتحوّلات العميقة التي شهدتها الجارة المشتركة سوريا. فأنقرة ترى أن نفوذها المتصاعد في دمشق وتأسيس سلطة جديدة هناك، لن يكتمل دون بيئة لبنانية مستقرة وموازية. وهذا الأمر يتطلب ضبطاً حاسماً وجاداً للحدود المشتركة (اللبنانية - السورية)، وإنهاء كل مظاهر السيولة الأمنية والتهريب التي عانى منها البلدان طوال العقود الماضية.
• مقاربة أنقرة لحماية السيادة اللبنانية
أفردت وسائل الإعلام التركية الرسمية، وفي مقدمتها وكالة الأناضول والصحف الكبرى في أنقرة، مساحات واسعة لتغطية المباحثات الثنائية، مركّزة على الرؤية الاستراتيجية التي تربط بين استقرار بيروت وأمن منطقة شرق المتوسط بأكملها. وقد شدّدت التغطيات على الموقف الحاسم للحكومة التركية في دعم وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها الوطنية الكاملة كصمام أمان لمنع اتساع رقعة الصراعات الإقليمية.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال المؤتمر الصحفي المشترك لتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، حيث طالب بممارسة ضغوط جادّة على إسرائيل لفرض وقف فوري لإطلاق النار وإلزامها بالتعويض عن الأضرار الهيكلية التي لحقت بلبنان. كما جدّد تأكيده على وضع كافة إمكانات أنقرة بتصرف الدولة اللبنانية، ومواصلة تقديم الدعم الإغاثي والإنساني بما يضمن الحفاظ على السلم الأهلي والوحدة الداخلية.
من جانبه، صرّح رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مؤكداً على هذا البُعد المشترك: «نقدّر التضامن الإنساني والسياسي التركي مع لبنان. إن علاقة لبنان وتركيا ستفتح أمامنا الكثير من المجالات الاقتصادية والتنموية، ونحن نعول على الدور التركي المهم في تجاوز أزمات المنطقة، لا سيما في سوريا، بما يضمن استقرار بلدنا وإعادة إعماره».
• استراتيجية «المسارات المتوازية» للتسوية: تطابق الرؤى بين أنقرة والرياض
تتبنّى أنقرة رؤية شاملة للملف اللبناني ترفض تجزئة الحلول أو تقديم مسكنات مؤقتة، حيث طرحت القيادة التركية خلال المباحثات مظلة تسوية ثلاثية الأبعاد تهدف إلى تثبيت الاستقرار المستدام. والمفارقة الاستراتيجية الأبرز هنا هي أن هذه المسارات الثلاثة تتطابق بشكل كامل مع مقاربة المملكة العربية السعودية للملف اللبناني، مما يؤكد وجود قراءة موحّدة وتنسيق غير معلن بين الرياض وأنقرة يرتكز على ثوابت مشتركة لمعالجة الأزمة اللبنانية، وتتوزع هذه الأبعاد على النحو التالي:
- المسار الأمني الصارم: التمسّك بالانسحاب الإسرائيلي التام وغير المشروط من كافة الأراضي اللبنانية، وهو ما يتقاطع مع المطلب السعودي الدائم بضرورة احترام سيادة لبنان ومنع تجدّد الصراع المسلح في المستقبل.
- المسار المؤسسي السيادي: إعلاء سلطة الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية والأمنية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، كجهة حصرية ووحيدة لإدارة الشؤون الدفاعية وبسط السيادة، وهي الركيزة الأساسية التي طالما دعت إليها الرياض لتمكين الشرعية اللبنانية.
- المسار السياسي الداخلي: فتح قنوات حوار وطني شامل لمعالجة معضلة السلاح خارج إطار الدولة تحت سقف «اتفاق الطائف» (الذي رعته المملكة وتتمسّك به أنقرة اليوم كمرجعية ناظمة)، مع اشتراط أن يتم هذا الحوار بمعزل عن لغة الإملاءات العسكرية الخارجية أو محاولات فرض الأمر الواقع.
• هواجس الترتيبات الحدودية وجنوب لبنان
تصدّرت كواليس المفاوضات المرتبطة بـ«اتفاق الإطار» ومحادثات السلام الجارية برعاية دولية هواجس واضحة لدى القيادة التركية تجاه النوايا الإسرائيلية. وتكشف المعطيات التحليلية عن موقف تركي حازم وجاء فيه: ترفض القيادة التركية أي صيغة تمنح تل أبيب مرونة أمنية أو حرية حركة عسكرية داخل الحدود اللبنانية مستقبلاً، معتبرة أن التسويات الناقصة التي لا تضمن السيادة اللبنانية الكاملة ستتحول حتماً إلى شرارة لمواجهات مسلحة جديدة، ولن تؤدي إلا إلى زعزعة استقرار شرق المتوسط.
• البوابة الاقتصادية والربط الإقليمي (الاستقرار عبر التنمية)
تدرك تركيا أن الاستقرار السياسي والأمني لا يمكن أن يدوم دون قاعدة اقتصادية صلبة، لذلك طرحت في محادثاتها مع الرئيس نواف سلام معادلة استراتيجية قائمة على «الأمن مقابل التنمية»، وتتلخص رؤيتها الاقتصادية للبنان في نقطتين جوهريتين:
- الشراكة المؤسسية مع دمشق: تثمّن تركيا وتدعم تنظيم العلاقات الرسمية بين بيروت ودمشق في المرحلة الحالية لحل الملفات العالقة التي أرهقت كاهل الدولة اللبنانية. وفي مقدمة هذه الملفات: تعزيز التنسيق الحدودي المشترك، مكافحة شبكات التهريب، وتأمين عودة آمنة ومنظمة للاجئين السوريين إلى ديارهم بعد استقرار الأوضاع هناك، وهو ما ينعكس إيجاباً على الديموغرافيا والاقتصاد اللبناني.
- الدمج في شبكات الطاقة والنقل الإقليمية: عرضت أنقرة حزمة من الاستثمارات الحيوية لدعم صمود الجبهة الداخلية اللبنانية، وتشمل:
أ) إعادة إعمار المناطق المتضررة من العمليات العسكرية.
ب) تأهيل الموانئ اللبنانية وتطويرها لتلعب دوراً محورياً في التجارة البحرية.
ج) ربط شبكات السكك الحديدية والنقل البري بين تركيا وسوريا وصولاً إلى لبنان ومنه إلى دول الخليج العربي.
هذا الربط الاستراتيجي من شأنه أن يعيد دمج الاقتصاد اللبناني في عمقه العربي والإقليمي، ويخرجه من عزلته المالية والاقتصادية عبر تحويله إلى ممر تجاري حيوي.
• أفق الشراكة الإقليمية: تكامل المشرق وعصر التوازنات الجديدة
تؤشر المعطيات السياسية والوثائق المصاحبة لزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى أنقرة إلى تحول عميق في طبيعة الدور التركي في المشرق العربي؛ فلم تعد أنقرة تكتفي بالدور الإغاثي أو الوساطة الدبلوماسية الناعمة، بل أصبحت تطرح مشروعاً جيوسياسياً متكاملاً يربط استقرار عواصم المشرق بمعادلة التوازنات الجديدة في شرق المتوسط.
واللافت هنا أن هذه الاستراتيجية التركية الإقليمية، القائمة على معادلة «الأمن عبر التنمية والربط الاقتصادي»، تنسجم وتتقاطع بشكل وثيق مع الرؤية الاستراتيجية الشاملة للمنطقة التي تتبنّاها المملكة العربية السعودية، والمتمثلة في «رؤية 2030» التي أطلقها ويسير بها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان. ويلتقي الطرفان في هذا الإطار عند هدف رئيسي وهو تحويل الشرق الأوسط من ساحة للصراعات الجيوسياسية والعسكرية إلى مركز جذب اقتصادي عالمي عبر مشروعات الممرات التجارية، والنقل، والطاقة، والتنمية المستدامة.
وفي المحصلة، تظل القدرة على ترجمة هذه المسارات المتوازية (الأمنية، والسياسية، والاقتصادية) إلى واقع ملموس رهناً بمدى نجاح الحكومة اللبنانية في استثمار هذا الدعم الإقليمي المزدوج، وتوفر الإرادة الدولية لمساعدة بيروت في استعادة سيادتها الكاملة وغير المنقوصة.






