لبنان ما بعد مرحلة خامنئي وإنهيار مشروعه الفارسي في المنطقة العربية
بعد مراسم تشييع ودفن مرشد الثورة الايرانية علي خامنئي الذي اغتالته الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في بداية الحرب المشتركة بينهما على ايران نهاية شباط الماضي، مع كبار قادته ومسؤوليه البارزين، تطوى معه مرحلة طويلة ومهمة منذ توليه المسؤولية، خلفاً لمرشد الثورة آية الله الخميني قبل مايقارب ثلاثة عقود ونصف، كانت حافلة بتمدد مشروع التشيّع الفارسي، وتغوله بالمنطقة العربية، واستفحاله بتخريب وتفتيت العراق وسوريا ولبنان واليمن، واستهداف منظم لامن واستقرار دول الخليج العربي كما العديد من الدول العربية الشقيقة والصديقة في العالم.
وكان للبنان حصة كبيرة من المشروع المذهبي الفارسي، الذي كان رأس حربته حزب الله، لترسيخ نفوذه في لبنان، تحت ستار دعم المقاومة لتحرير الارض المحتلة في الجنوب، بعد الاجتياح الاسرائيلي للجنوب عام ١٩٧٨، وبعده الاجتياح الواسع للبنان وصولا لبيروت عام١٩٨٢، بهدف نزع سلاح المنظمات الفلسطينية يومذاك.
بعد تحرير الجنوب وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي وراء الحدود في الخامس والعشرين من شهر أيار من العام الفين واعلانه يوماً وطنياً للمقاومة والتحرير، تحول سلاح حزب الله الايراني الى الداخل اللبناني، للامساك بمفاصل الدولة اللبنانية خدمة لمصالح ايران ونفوذها بالمنطقة، وتولى مهمات مصادرة القرار السياسي والامني للدولة، بعد انسحاب قوات الوصاية السورية من لبنان في ربيع العام ٢٠٠٥، اثر ارتكاب الحزب ونظام بشار الاسد جريمة اغتيال الرئيس الشهيدرفيق الحريري، واستكمال مسلسل اغتيال رموز سياسية وحزبية وفكرية بارزة، معارضة لمشروع الهيمنة الايرانية على لبنان.
غطى خامنئي بقوة، سيطرة حزب الله على الدولة ومؤسساتها، واستعمال السلاح في الاغتيالات الإرهابية المنظمة ضد المعارضين، وسخر بقوة نفوذه على العراق وسوريا، لارسال امدادات السلاح بكميات ضخمة إلى لبنان، بحجة محاربة إسرائيل في الوقت ألذي كان فيه السلاح الايراني ينخر في جسد الدولة اللبنانية ويعمل على تفتيت مكوناتها خدمة لمصالح ايران ونفوذها ودورها بالمنطقة.
اشعل حزب الله حرب تموز عام٢٠٠٦، وحرب إسناد غزّة في خريف عام٢٠٢٣، بتوجيه ودعم خامنئي، وبعدها حرب الثأر لاغتيال المرشد نفسه، وكبد لبنان الاف الضحايا والجرحى وخراب ودمار فاق التوقعات، والاسوأ من كل ذلك احتلال إسرائيل لاراض واسعة النطاق تجاوزت حدود نهر الليطاني شمالا.
يترافق مع مراسم تشييع ودفن خامنئي، انكسار مشروع التشيّع الفارسي الفتنوي بالمنطقة العربية، بدءا من خسارة قطاع غزّة بعد عملية طوفان الأقصى التي شنتها حركة حماس ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتلقي حزب الله هزيمة نكراء بعد حربي إسناد غزّة وايران، واغتيال الأمين العام للحزب حسن نصرالله وكبار قادته العسكريين والحزبيين، وخسارته لالاف المقاتلين والجرحى، وتدمير واسع لمستودعات الاسلحة والصواريخ والانفاق، بالتزامن مع خسارة النظام الايراني لسوريا، كنقطة وصل مابين لبنان والعراق وطهران، وخط إمداد حيوي للحزب، بعد سقوط نظام بشار الاسد وتولي احمد الشرع السلطة في سوريا، ناهيك عن خروج تدريجي للعراق من عباءة الهيمنة الايرانية.
أكثر من ذلك، تعصف بحزب الله تحديات اضافية عديدة هذه الأيام، ليس اقلها مسؤوليته المباشرة باستدراج العدوان الإسرائيلي على لبنان، والتسبب باكبر نكبة بالخراب والدمار واعداد الضحايا وتنامي الاستياء الشعبي ضده، ونفور معظم اللبنانيين منه، بل بربط حل أزمة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب بنزع سلاحه، كما اعادة الاعمار وغيرها مايضع الحزب في موقع حرج للغاية، بعد اغتيال خامنئي، وعدم التأكد من اتباع المرشد الجديد نهجه في المرحلة المقبلة لدعم الحزب، لاسيما مع فتح باب التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، والاتفاق على وقف الحروب والتوترات بينهما وضمنها لبنان، في حين تطوق القرارات التي اتخذتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة وحدها، وملاحقة كل من يخالف هذا القرار، الحزب من كل اتجاه، ماينبىء بأن مرحلة خامنئي انطوت، ومابعدها لن يكون مثلها، بعد المتغيرات الجذرية الحاصلة بالمنطقة، والتغير المحتمل بتركيبة النظام الوريث.






