لبنان في مرحلة اختبار نفسه
لعلّها من المفارقات العجيبة في مسار الاتفاقات بين الأطراف المتنازعة أن يتولى الجلاد الحكم على ضحيته، تبرئةً أو تجريماً. وهذا ما ينطبق، بحسب مصادر متابعة، على مسار تنفيذ مندرجات «اتفاق الإطار» بين لبنان والكيان الإسرائيلي، عبر البدء بآلية «المناطق التجريبية» نموذجاً لاستكمال ما تبقّى من الاتفاق.
فبعد تأكيد الوفد اللبناني المفاوض، الذي يعمل وفق توجيهات رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أن لبنان لن يقبل بأقل من وقفٍ للخروقات يترافق مع انسحاب إسرائيلي تدريجي، بما يتيح للجيش اللبناني دخول المناطق المحررة وبسط سيادة الدولة عليها، برزت مؤشرات جديدة على طبيعة المرحلة المقبلة.
وتقول مصادر مواكبة إنه، على الرغم من الانقسام اللبناني حول مبدأ المفاوضات بين لبنان والكيان الإسرائيلي، فإن الجولة السادسة، التي عقدت في روما، حققت تقدّماً إجرائياً واضحاً يصب، في جانب كبير منه، في مصلحة إسرائيل، وفق ما كانت تخطط للوصول إليه.
فقد تجاوزت المباحثات، في حدّها الأدنى، النقاش حول مبدأ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان أو جاهزية الجيش اللبناني للانتشار في المناطق التي ينسحب منها الاحتلال، لتنتقل إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بترتيب مراحل التنفيذ: من يبدأ أولاً؟ وكيف تُنفذ الخطوات؟ ومن يملك صلاحية تقييم النجاح أو الفشل تمهيداً للانتقال إلى مناطق تجريبية أخرى؟
ويعني ذلك، بحسب المصادر، أن المرحلة قد تطول بفعل تعقيدات الآليات التنفيذية وتفاصيل كل خطوة، وهو ما يصب في مصلحة إسرائيل، في وقت ينشغل فيه لبنان بسجالات داخلية قد تثيرها نتائج التجربة الأولى، وسط مخاوف مسبقة من أفخاخ يسعى الاحتلال إلى زرعها في طريق الجيش اللبناني، ومن محاولات تل أبيب دفعه إلى مواجهة مع المقاومة وبيئتها.
وكان لافتاً ما تضمنه البيان الصادر عن السفارة الأميركية في روما عقب الجولة السادسة، والذي أشار إلى الاتفاق على هيكلية وإرشادات آلية «المنطقة التجريبية»، على أن تستكمل تفاصيلها وتدخل حيّز التنفيذ خلال الأيام المقبلة.
والأكثر لفتاً للانتباه، بحسب المصادر، هو الحديث عن الانتقال إلى محادثات تقنية موسّعة تشمل مختلف بنود الإطار الثلاثي، وصولاً إلى اتفاق شامل قد يتجاوز اتفاق الإطار نفسه، ليفتح الباب أمام مسار سياسي قد يتخذ شكل «سلام حذر»، ولا سيما بعد إسقاط بعض البنود التي كانت تتيح للبنان اللجوء إلى المحافل والمحاكم الدولية، ومع تراجع استخدام مصطلح «العداء» في توصيف العلاقة بين بيروت وتل أبيب.
ومن هنا، يمكن استخلاص أن ما جرى التوافق عليه يمنح إسرائيل مساحة أوسع للمناورة السياسية والعسكرية؛ إذ إن هيكلية الآلية، بصيغتها الحالية، لا تقترن بتحديد واضح لطبيعة الالتزامات، ولا بمعايير دقيقة لقياس النجاح أو الفشل.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية؛ فعلى الرغم من أن الآلية تبدو، في ظاهرها، موزعةً للمهام بين الطرفين، فإنها قد تتحوّل عملياً إلى معادلة غير متوازنة، يكون فيها اختبار إسرائيل مقتصراً على خطوة جغرافية محدودة، فيما يتحمّل لبنان الاختبار الفعلي، أمنياً وسياسياً، من خلال تنفيذ التزامات أوسع وأكثر تعقيداً.
ولذلك، يبقى التحدّي الأساسي في منع تحويل التجربة إلى أداة تجعل الانسحاب الإسرائيلي نتيجةً مؤجلة مرهونة بما ينجزه لبنان، بدل أن يكون التزاماً متزامناً من الجانب الإسرائيلي، وهو ما يشكّل، في نظر المصادر، جوهر المفارقة في الآلية المقترحة.
وحسب المعطيات، فإن البحث في منطقتين تختلفان من حيث الموقع وطبيعة المهمات المطلوبة، ترتبط إحداهما بأراضٍ لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها، فيما تقع الثانية بمحاذاة نطاق انتشارها، أثار تساؤلات حول جدوى تجربة لا تتضمن، في جميع مراحلها، انسحاباً إسرائيلياً فعلياً.
ولهذا شدّد الوفد اللبناني على أن يبدأ التنفيذ من مناطق لا تزال تحتلها إسرائيل، حتى لا تتحوّل التجربة إلى اختبار أحادي الجانب للجيش اللبناني.
وهنا يكمن هاجس كثيرين، وهو أن يتحوّل لبنان، بقصد أو من دون قصد، إلى حقل تجارب على حساب سيادته الوطنية، بما يسهّل على المشروع الإسرائيلي بلوغ الأهداف التي يسعى إليها من خلال «اتفاق الإطار».






