من منطق الساحة إلى منطق الدولة: هل يملك لبنان شجاعة استعادة قراره؟
د. روجيه الشويري*
لم يكن لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس اللبناني جوزاف عون في واشنطن مجرد لقاء دبلوماسي يُضاف إلى أرشيف العلاقات الدولية، بل حمل في طياته رسالة سياسية واضحة: العالم مستعد للتعامل مع لبنان عندما يكون لبنان دولة، لا عندما يكون ساحة مفتوحة لتجاذب النفوذات وحسابات الآخرين.
السؤال الذي فرض نفسه بعد هذا اللقاء ليس ماذا تريد واشنطن من لبنان فقط، بل ماذا يريد لبنان من نفسه؟ وهل يملك اللبنانيون الجرأة السياسية للانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة؟ فالمشكلة الأساسية لم تعد في نقص المبادرات الخارجية، بل في غياب قرار داخلي حاسم ينهي حالة الالتباس حول من يملك حق تحديد مصير البلاد.
لقد أثبتت العقود الماضية أن لبنان دفع ثمناً باهظاً نتيجة تكريس منطق الساحات على حساب منطق الدولة. فكلما ضعفت المؤسسات، تقدمت القوى التي تملأ الفراغ، وكلما غاب القرار الوطني الموحّد، أصبح لبنان أكثر عرضة لأن يكون ورقة في صراعات المنطقة بدل أن يكون دولة تدافع عن مصالحها. التسويات المتكررة أوقفت الحروب، لكنها لم تعالج أصل المشكلة: وجود أكثر من سلطة فعلية داخل الدولة الواحدة.
اليوم، لم تعد القضية تحتمل المزيد من المواربة. فالدولة التي لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم لا تملك كامل سيادتها، والدولة التي تتعدد فيها المرجعيات الأمنية تفقد جوهر وجودها. المعركة الحقيقية ليست حول سلاح هنا أو نفوذ هناك، بل حول مبدأ بسيط وواضح: من يقرر باسم لبنان؟
لا يمكن بناء دولة قوية عبر منطق المساكنة بين مؤسسات رسمية وقرارات موازية. فالتجارب أثبتت أن ازدواجية القرار لا تنتج استقراراً، بل تؤجل الانفجار وتراكم الأزمات. المطلوب ليس فتح مواجهة داخلية جديدة، بل إعادة الاعتبار لفكرة الدولة باعتبارها الإطار الوحيد الذي يحمي الجميع، من دون استثناء.






