إشارة قضائية عامة... هل يجوز أن تحلّ محل إذن التفتيش؟
د. رشا أبو حيدر
مع الحديث عن توجّه النيابة العامة إلى إصدار إشارة قضائية تخوّل الجيش اللبناني تفتيش المنازل والأراضي في بعض المناطق الجنوبية التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي، يفرض القانون سؤالاً جوهرياً: هل يجوز لإشارة قضائية عامة أن تغني عن إذن التفتيش الخاص بكل عقار؟
قد يبدو الجواب للوهلة الأولى بسيطاً، إلّا أن الحقيقة أكثر تعقيداً، لأن المسألة تقع عند نقطة التوازن بين واجب الدولة في حماية الأمن وبين التزامها باحترام الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.
لا خلاف على أن الجيش اللبناني يضطلع بمهمة وطنية تتمثل في بسط سلطة الدولة على الأراضي المحررة، وتأمين عودة الأهالي، والكشف عن الألغام والذخائر غير المنفجرة والأنفاق وأي أخطار تهدّد السلامة العامة. وهذه المهمة لا تقتصر على كونها حقاً للدولة، بل هي واجب تفرضه مسؤوليتها في حماية المواطنين.
غير أن دولة القانون لا تكتفي بمشروعية الغاية، بل تشترط أيضا مشروعية الوسيلة.
فالمادة الثامنة من الدستور اللبناني كرّست مبدأ عدم جواز تقييد الحرية الشخصية إلا وفق أحكام القانون، وهو مبدأ يمتد أثره إلى جميع الإجراءات التي تمس الحقوق الأساسية، ومنها دخول المساكن وتفتيشها. كما أن قانون أصول المحاكمات الجزائية أحاط إجراءات التفتيش بضمانات هدفها منع التعسف، وجعلها خاضعة لضوابط قانونية وإشراف قضائي.
وتتمتع النيابة العامة، بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية، بصلاحية الإشراف على الضابطة العدلية وإعطائها التعليمات اللازمة للتحقيق وملاحقة الجرائم، إلا أن هذه الصلاحية تمارس في إطار القانون، ولا تخولها إنشاء قواعد عامة تتجاوز ما رسمه المشرّع.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين حالتين مختلفتين.
فإذا كان دخول الجيش إلى العقارات يهدف إلى إزالة المتفجرات أو معالجة أخطار عسكرية مباشرة تهدد حياة السكان، فإن هذا الإجراء يختلف بطبيعته عن التفتيش الجزائي، وقد يجد سنده في مقتضيات الضرورة والسلامة العامة، على أن يبقى مقيّداً بحدود الغاية التي صدر من أجلها.
أما إذا كان المقصود هو إجراء تفتيش جزائي للبحث عن أسلحة أو أدلة أو أشخاص داخل المنازل، فإن الإشكالية تصبح أكثر دقة، لأن التفتيش الجزائي يقوم، في الأصل، على أسباب جدية تتعلق بمكان محدد ووقائع محددة، وليس على إذن عام يشمل جميع العقارات الواقعة ضمن نطاق جغرافي معين، ما لم يجيز القانون ذلك صراحة.
ولا يغيّر من هذه القاعدة أن المنطقة خرجت حديثاً من نزاع مسلح. فالفقه الدستوري يقرّ بأن الظروف الاستثنائية قد تبرر توسيع بعض صلاحيات الإدارة أو السلطات العامة، لكنها لا تعطّل مبدأ المشروعية، ولا تعفي من احترام مبدأ التناسب، ولا تلغي الرقابة القضائية على الإجراءات التي تمس الحقوق الأساسية.
ويعزز هذا الاتجاه ما نصت عليه المادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر أي تدخل تعسفي أو غير قانوني في خصوصية الأفراد أو مساكنهم، وهو التزام دولي يفرض أن تكون أي قيود على هذا الحق مستندة إلى القانون، وضرورية، ومتناسبة مع الغاية المشروعة التي تسعى إلى تحقيقها.
إن جوهر النقاش ليس في حق الجيش بالقيام بواجبه الوطني، فهذا الحق ثابت ولا جدال فيه، وإنما في الكيفية القانونية التي يمارس بها هذا الواجب. فكلما اتسعت صلاحيات السلطة العامة، ازدادت الحاجة إلى ضوابط قانونية واضحة تكفل عدم تحول الاستثناء إلى قاعدة.
لذلك، فإن تقييم مشروعية أي إشارة قضائية عامة لا يكون من خلال عنوانها، بل من خلال مضمونها وحدودها: هل هي مقيدة بغاية محددة؟ هل تقتصر على إزالة الأخطار العسكرية؟ أم أنها تمنح صلاحية تفتيش جزائي مفتوح دون الضمانات التي يتطلبها القانون؟
إن الدولة التي تستعيد سيادتها على أرضها مطالبة في الوقت نفسه بتأكيد سيادة القانون عليها. فالقوة الحقيقية للمؤسسات لا تكمن في اتساع سلطاتها، بل في قدرتها على ممارستها ضمن الحدود التي رسمها الدستور والقانون. وعندها فقط يصبح الأمن والحرية شريكين في بناء الدولة، لا خصمين يتنازعانها.






