من باريس 1919 إلى جنوب لبنان اليوم: هل المشكلة في الأمن أم في الحدود؟
كلما اندلعت مواجهة عسكرية بين لبنان وإسرائيل، انصبّ الاهتمام على وقف إطلاق النار، والضمانات الأمنية، وانتشار القوات الدولية. غير أن السؤال الذي نادراً ما يُطرح هو: هل تكمن جذور النزاع في الترتيبات الأمنية، أم في مسألة الحدود نفسها؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، حيث قدمت المنظمة الصهيونية مذكرة رسمية طالبت بأن تمتد الحدود الشمالية لفلسطين لتشمل حوض نهر الليطاني، انطلاقاً من اعتبارات استراتيجية ومائية. ورغم أن القوى الكبرى لم تعتمد هذا الطرح، فإنه يكشف أن الحدود الشمالية لفلسطين كانت منذ البداية جزءاً من النقاش السياسي الذي رافق المشروع الصهيوني.
وفي عام 1923، قامت فرنسا وبريطانيا، عبر لجنة بوليه–نيوكومب (Paulet–Newcombe)، بترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المنتدبة. ولم يكن ذلك قراراً أحادياً، بل اتفاقاً دولياً بين الدولتين المنتدبتين، أصبح لاحقاً المرجعية القانونية المعترف بها دولياً للحدود بين لبنان وفلسطين، ثم بين لبنان وإسرائيل بعد عام 1948. ومنذ ذلك التاريخ، بقي هذا الترسيم الأساس القانوني الذي استندت إليه الأمم المتحدة في تعاملها مع الحدود اللبنانية الجنوبية.
وتؤكد وثائق الانتداب الفرنسي هذه الحقيقة. فقد كان روبير دو كيه (Robert de Caix) الأمين العام للمفوضية الفرنسية في سوريا ولبنان، وأحد أبرز مهندسي السياسة الفرنسية في المشرق بعد الحرب العالمية الأولى، والمستشار السياسي للمفوضين الساميين الفرنسيين، كما اضطلع بدور مؤثر في رسم سياسة فرنسا تجاه سوريا ولبنان وفلسطين خلال مرحلة الانتداب.
وتبيّن كتاباته ومراسلاته، كما نشرها المؤرخ جيرار د. خوري في «Une Tutelle Coloniale»، أن فرنسا رفضت إدراج نهر الليطاني ضمن فلسطين المنتدبة، معتبرة أن مياهه تشكّل مورداً حيوياً للبنان، وأن تحويلها إلى فلسطين يتعارض مع المصالح الاقتصادية والزراعية للبنان. ويكشف ذلك أن قضية الحدود والموارد المائية لم تكن قضية عسكرية طارئة، بل كانت جزءاً من النقاش الدبلوماسي الذي رافق رسم خريطة الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى.






